المقالات


عبد الرحمن روبي…

سيرة إعلامي أسهم في إعادة تشكيل ملامح المهنية الصحفية في إثيوبيا


صورة للإعلامي الراحل : عبدالرحمن روبي

بقلم الإعلامي الإثيوبي
حسن أحمد

 

لم يكن الأستاذ عبد الرحمن روبي مجرد مسؤول إعلامي شغل مناصب تنفيذية عليا، بل كان مشروعًا مهنيًا متكاملًا، ورؤية إعلامية سعت، بهدوء وثبات، إلى الإرتقاء بالإعلام الإثيوبي من أدواره التقليدية إلى آفاق أكثر حداثة وتأثيرًا. وبرحيله، فقدت الساحة الإعلامية الإثيوبية أحد أبرز العقول التي آمنت بأن الإعلام ليس نقلًا للخبر فحسب، بل صناعة وعي، وبناء صورة وطنية، وأداة استراتيجية للدولة والمجتمع.

النشأة والتكوين المعرفي: أساس الرؤية الإعلامية

وُلد عبد الرحمن روبي عام 1984م في إقليم أوروميا، منطقة آرسـي، مديرية لودي هيتوسا، في بيئة اجتماعية محافظة غرست فيه مبكرًا قيم الإلتزام والمسؤولية. وتلقّى تعليمه الإبتدائي والثانوي في منطقته الأم، قبل أن ينتقل إلى جامعة جِمّا، حيث حصل على درجة البكالوريوس في دراسات اللغات الأجنبية.

هذا التخصص لم يكن اختيارًا عابرًا، بل شكّل لاحقًا أحد أهم مفاتيح تميّزه المهني، إذ أتاح له فهمًا أعمق لثقافات الاتصال العابرة للحدود، وأسهم في تشكيل رؤيته لإعلام إثيوبي قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة مهنية واحدة.

واستكمالًا لهذا المسار، حصل على درجة الماجستير في الاتصال ودراسات الإعلام من أكاديمية التميّز القيادي الإفريقية، كما شارك في عدد من البرامج التدريبية المتخصصة داخل البلاد وخارجها، في مجالات الصحافة الحديثة، والاتصال الإستراتيجي، والإدارة الإعلامية، وهو ما عزّز لديه القدرة على الربط بين النظرية الإعلامية والتطبيق العملي.

من الميدان إلى الإدارة: مسار مهني تصاعدي

بدأ عبد الرحمن روبي حياته المهنية مراسلًا صحفيًا في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإثيوبية (EBC)، حيث تشكّلت خبرته الميدانية الأولى، وتعمّق فهمه لطبيعة العمل الصحفي، وتحديات نقل الخبر في بيئة متعددة الثقافات واللغات.

وسرعان ما برز اسمه بين زملائه بدقته المهنية، وحسّه التحريري العالي، والتزامه الصارم بأخلاقيات المهنة، لينتقل لاحقًا إلى شبكة إذاعة أوروميا (OBN)، التي شكّلت محطة مفصلية في مسيرته.

وفي OBN، لم يكن مجرد موظف يتدرّج في السلم الوظيفي، بل كان فاعلًا في عملية التغيير المؤسسي. تدرّج من مراسل إلى أن شغل منصب نائب المدير العام التنفيذي، وأسهم خلال هذه المرحلة في تطوير السياسات التحريرية، وتحسين جودة البرامج، وتعزيز كفاءة الموارد البشرية، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: إعلام مهني، منظم، وقادر على التأثير.

في قلب القرار الإعلامي: قيادة التطوير في EBC

في عام 2022م عُيّن عبدالرحمن روبي نائبًا للمدير العام التنفيذي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإثيوبية (EBC)، ليكون في قلب صناعة القرار الإعلامي الوطني. وفي هذا الموقع، برزت ملامح رؤيته بشكل أوضح، حيث عمل على إعادة ضبط البوصلة المهنية للمؤسسة، عبر التركيز على الجودة، والتخطيط الإستراتيجي، والتحديث التقني، وبناء القدرات.

وكان من الإعلاميين الذين آمنوا بضرورة مواءمة الأداء الإعلامي مع الرؤية الحكومية الإثيوبية التي تسعى إلى الإرتقاء بالصحافة والإعلام، ليس بوصفهما أدوات دعائية، بل مؤسسات مهنية مسؤولة، قادرة على المنافسة في الفضاء الإعلامي الإقليمي والدولي.

رؤية للإعلام الوطني: الجودة والرسالة والقدرة التنافسية

تميّز عبد الرحمن روبي برؤية تعتبر أن قوة الإعلام لا تُقاس فقط بانتشاره، بل بجودة مضمونه، وصدقيته، وتأثيره. ومن هذا المنطلق، دعم برامج التدريب المستمر، وشجّع على تبنّي المعايير المهنية الدولية، وعمل على تطوير الخطاب الإعلامي الإثيوبي ليكون أكثر اتزانًا، ووضوحًا، واحترافية.

كما أسهم في تعزيز إيصال الصوت الإعلامي لإثيوبيا إلى الخارج، ضمن سردية وطنية متماسكة، تعكس واقع البلاد وتطلعاتها، وتخاطب العالم بلغة إعلامية حديثة، قادرة على المنافسة في سوق إعلامي عالمي شديد التعقيد.

البعد الإنساني والمهني: قائد يُنصت ويُنجز

على المستوى الإنساني، عُرف عبد الرحمن روبي بكونه قائدًا هادئًا، منصتًا، قريبًا من زملائه، يؤمن بأن الإعلام عمل جماعي قبل أن يكون فرديًا. وشهد له رفاق دربه بقدرته على إدارة الاختلافات، وتحويل التحديات إلى فرص تطوير، والتمسك بأخلاقيات المهنة حتى في أصعب الظروف.

إرث باقٍ بعد الرحيل

انتقل عبد الرحمن روبي إلى رحمة الله بعد معاناة مع المرض، عن عمر ناهز أربعين عامًا، تاركًا وراءه إرثًا مهنيًا يتجاوز المناصب التي شغلها. فقد ترك مدرسة في التفكير الإعلامي، وتجربة عملية في الإدارة، ونموذجًا للإعلامي الذي جمع بين الرؤية، والإنضباط، والعمل الصامت. وكان الفقيد رحمه الله تعالى متزوجًا وأبًا لثلاثة أبناء.

وبرحيله، خسر الإعلام الإثيوبي أحد أعمدته الصاعدة، غير أن أثره سيظل حاضرًا في مسار التطوير المهني، وفي كل خطوة تُتخذ نحو إعلام إثيوبي حديث مهني، وقادر على المنافسة عالميًا.

اترك تعليقاً