النجاة تبدأ من الداخل
بقلم : سلافة سمباوه


هل انت ناج ؟

كيف ومتى نجوت ؟ إن نجوت كم مره حاولت ولم تنج ثم نجوت ، شعور النجاة انضجك أم في طور العنقاء

تخيل أنك سفينة في بحر

البحر بسكونه الصافي حينًا وثورته المفاجئة يشبه الحياة بكل تناقضاتها.. وأنت السفينة في رحلتك داخل الكون

السفينة ذاتك الإنسانية؛ لما نحمله من مشاعر وهواجس وفِكَر، وقدرتك على الصمود أمام التقلبات.

“السفن لا تغرق بسبب المياه المحيطة بها، ولكن بسبب المياه التي تتسرب إليها”.. هذه العبارة تعد من أعمق الدروس الفلسفية والنفسية، التي يمكن أن تُعطى في فهم الذات وإدارة الصراعات، وبناء الحصانة النفسية في وجه التهديدات الخارجية.

كل إنسان مثل سفينة تبحر في محيط متلاطم، تحيط به تحديات نفسية واقتصادية وعاطفية واجتماعية وثقافية، وقد لا يكون التحدي في وجود تلك التهديدات الخارجية بذاتها، بل في كيفية إدارتها والتعامل معها دون السماح لها بالتسلل إلى داخل النفس.

عل لديك مرونة نفسية وهي قدرة الفرد على التعافي من الضغوط والصدمات، وهي القدرة التي تشبه تمامًا صيانة السفينة لمنع الماء من التسرب.

ليس المطلوب منك أن تسيطر على العالم، أو أن توقف الأمواج، بل أن تكون واعيًا لما يدخل إلى وجدانك.. لا تترك المواقف السلبية تتحول إلى رسائل داخلية تكرس الإحباط أو دونية الذات.

هل لديك استبطان سلبيي العملية التي تعيد فيها توجيه الكلمات والفِكَر السلبي التي تلقاه من الخارج، لتجعله جزءًا من خطابك الداخلي وكأنها حقيقة، وهنا تكون قد بدأت بالغرق فعليًا.. نحن لا نُهزم بسبب العالم، بل حين نؤمن بأننا لا نستحق النصر، حين نصدق أن الهزيمة حتمية.

الشخص الأكثر قدرة على الصمود حياته لا تخلو من التحديات، لكنه احسن التماسك الداخلي، وبني شبكات الدعم والتضامن مثل جسد السفينة المتماسك، الذي يمنع تشققاته من أن تتحول إلى ثغرات للماء.

يقول سارتر : أن الإنسان ليس ما يقال له بل ما يختاره أن يكون! وهذه العبارة تكاد تكون صدى مباشرًا لفلسفة السفينة . أن تختار ما تسمح له بالدخول إلى كيانك وما تبقيه خارجًا.

هذا المبدأ ينطبق على كل شيء: العلاقات السامة، الخواطر السوداوية، الإحباطات المتكررة، الفقدان، الخيانة.. كلها مياه تحيط بنا، لكن السفينة يجب ألا تستسلم.

حين نبدأ بتصديق الأكاذيب التي قيلت لنا، حين نقلل من ذواتنا، حين نعيش في جلد الذات، حين نحمل فوق قلوبنا أوزار الجميع.. حينها نسمح لتلك (المياه السوداء ) أن تتسرب، نكون قد بدأنا فعليًا بالغرق من الداخل.

النجاة الحقيقية ليست في منع الريح من الهبوب، ولا الأمواج من الارتفاع، بل في صيانة السفينة بإحكام إغلاقها، وبالقدرة الدائمة على تفريغ المياه قبل أن تستقر وتثقل الكيان.

في كل مرة تتعرض فيها للأذى تذكر أنك لست البحر بل السفينة؛ والبحر وإن علا لا يستطيع ابتلاعك ما لم تسمح له بذلك

لا تدع ما يحدث حولك يتحول إلى صدى داخلي يعكر صفوك، أنت لست مجبرًا على أن تحمل العالم بأسره على كتفيك.. احم ذاتك، رمِّم روحك، ضع حدودًا واضحة بينك وبين ما يرهقك.

فلسفة السفينة ليست عزلة بل هي وعي.. وعي بأنك تختار ما يدخل إليك وتقرر ما يبقى في الخارج، إنها دعوة للاتزان، للصلابة، للتسامح دون الانكسار، وللبقاء حيًا في أقسى الظروف.

تذكّر دومًا.. النجاة تبدأ من الداخل .

اترك تعليقاً