لاتعجل في منح الثقة

بقلم : محمد بن عايض


ليسوا كما يظهرون   فهناك ما هو أعمق من المظاهر هناك ظاهر وباطن، أولئك الثلة الباقية من الطيبين، وليسوا السطحيين هم من يرون الناس بظاهرهم، ويعاملون الناس كما يرونهم، لكن المتأمل يعرف أن الناس لم تعد تظهر حقيقة ما تبطن فكثير منهم يحمل ستائر تفصل بين الباطن والظاهر.

إطلاق الأحكام العامة خاصة الحكم من أول نظرة أو الفراسة هي أحكام متسرعة وغير دقيقة، ومن ثم غير صائبة في معظم الأحيان، لا يمكن القطع بحكم على إنسان عادي المظهر  من خلال نظرة إلى تقاسيمه أو هندامه أو مظهره الكلي العام، يمكن القول بأن هذا انطباع لحظي مؤقت لا يعتمد عليه؛ لأن الوصول إلى عمق الإنسان من اللحظة الأولى أمر بعيد المنال .

المواقف التي  يقع الإنسان فيها مصادفة غير صالحة لحكم قاطع  عليه فلا موقف الشدة ،ولا موقف الرخاء صالح لأن يكون معيارا للحكم . لماذا ؟  لأن لكل موقف له حيثياته من الأحداث والأشخاص والسياقات المسبقة التي أسهمت في أن يتخذ هذا الموقف  . فكل موقف له دوافعه من المنفعة واللذة والشهوة والألم ، والقيم الأخلاقية والدوافع الخفية .

هناك حقيقة واحدة تكشف عن سلوك إنسان تعرفه جيداً، وهذه الحقيقة هي السيرة الطويلة والعشرة الوطيدة. فقط من خلال هذه التجربة يمكننا إصدار حكم قريب من الصواب، بعيداً عن العجلة والظلم.

عندما يفاجأ المرء بتغير صديق أو قريب، أو أي شخص تربطه به علاقة، ويعتقد أنه يعرفه معرفة تامة، يتعجب من كيفية انقلابه المفاجئ، وكيف تبدلت شخصيته بين ليلة وضحاها ! لكن الحقيقة تكمن في أن هذه الشخصية لم تتغير، بل أفرجت عن جزء من حقيقتها المدفونة في أعماق الذات، وكشفت عن القناع الزائف الذي لم يتبين لك إلا بعد أن خاضت تلك العلاقة غمار الزمن، مظهرةً خفاياها الحقيقية.

يبقى التعاون بين الأفراد مبنياً على الظاهر، لكن الثقة تحتاج إلى تروٍ وصبر وسير طويل، فلا يمكن إصدار الأحكام بناءً على مقطع منشور أو شهادة شخصية مشهورة أو نظرة  إلى جلسة عابرة. الإنسان كائن معقد ومتشابك، ولتفهم حقًا هذه الكينونة الصعبة، يجب عليك خوض التجارب، والمعايشة، والتفاعل، والنظر بهدوء إلى نتائج اختبارات المواقف العابرة. وبعد كل ذلك، يمكنك أن تتوصل إلى انطباع يخولك للحكم بشكل عادل.

 

الخلاصة:

ليس الناس كلهم كما يبدو عليهم لأول وهلة؛ فالحكم السريع على المظاهر، سواء من خلال الوجاهة أو القسامة أو الوسامة أو جمال الحديث، لا يكشف عن جوهر الأشخاص الحقيقي. المواقف العابرة لا تمثل معيارًا موثوقًا للحكم، ولا يمكن أن تكون وسيلة لمنح الثقة بشكل مبالغ فيه. الثقة تتطلب رحلة طويلة من الصحبة والتجارب النبيلة التي تتجلى خلال هذا المسير الطويل، فتقلبات الشخصيات تنبئ بحقيقتها التي تتكشف عبر الزمان.

 

اترك تعليقاً