
الفضول الضار
بقلم : محمد بن عايض
الشخصيات الإنسانية صعبة التأطير؛ لأنها متنوعة شديدة التداخل والاختلاط والتمازج والتركيب إلى درجة لا يمكن حصرها وهي في الوقت ذاته، ورغم هذا التشابك تتميز بملامح عامة. وأكثر ما يعين على التوصيف للشخصية هو الاحتكاك عن قرب حيث تبدو الصفات أكثر وضوحا. الفضولي الضار يهتم بأدق التفاصيل، ويبحث في خصوصيات لا تعنيه ولاتهمه في شئ ويسردها في تفاصيل مملة.
ماهو الفضول الضار؟
الفضول هو ظاهرة تحمل في طياتها تعقيدًا كبيرًا، ويُعبر عن الفضول الضار في العلاقات الاجتماعية بالتدخل السافر في شؤون الآخرين، والسعي لاكتشاف أسرارهم وخفايا خصوصياتهم التي يفضلون أن تبقى بعيدة عن الأعين. إنه نشر لتلك الأسرار دون علم أصحابها أو رضاهم، وكأنما يُعمد إلى كشف الستر عن أمور لا تُرغب في أن تُعرف. وليس لهذا النوع من الفضول أن يُقارن بالفضول العلمي البناء أو بالمهن النبيلة مثل الصحافة والطب، أو غيرهما من المهن الرسمية التي تتسم بالاحترام وتعمل من أجل الصالح العام.

يرى أن الاحتفاظ بالأسرار سلوك يبعث على عدم الارتياح.
لماذا يثير الفضول حب الاستطلاع على أخبار الآخرين؟ ولماذا يختار إفشاء أسرارهم الخاصة؟
تتجلى نزعة الفضول الضار في البحث عن خفايا الحياة الشخصية للناس ومشاركتها مع الغير دون إذن من أصحابها، ساعيًا بذلك لجذب الأنظار واحتلال مركز الحديث والاهتمام، مُتَوَهِّمًا أنه يقدم للآخرين شيئًا ذا قيمة، مما يمنحه شعورًا زائفًا بالأهمية والمكانة. وقد يكون الفراغ العاطفي والنفسي دافعًا له لتزيين أحاديثه بجرعة من الإثارة والدراما اليومية. ومن هنا، يجد لذته الحقيقية في الشخصيات التي لا تتردد في كشف أسرارها. إذ يرى أن الاحتفاظ بالأسرار سلوك يبعث على عدم الارتياح.

أهم سمات الشخصية الفضولية الضارة
وفقًا للخبراء، لا يوجد تصنيف تشخيصي دقيق للشخصية الفضولية الضارة، إلا أنها قد تتقاسم بعض السمات والأنماط المعروفة لدى الشخصيات الأخرى. فعلى سبيل المثال، نجد أن الشخصية النرجسية تتغذى على أخبار الآخرين لتلبية حاجتها إلى الشعور بالأهمية والسيطرة. في حين تستلهم الشخصية الحدية من أسرار الآخرين كوسيلة للتعبير عن المشاعر الانتقامية. أما الشخصية الهستيرية، فهي تسعى إلى جذب الأنظار بالطرق كلها، بما في ذلك نشر الأسرار الخاصة للآخرين والمبالغة في سرد القصص والدراما.
وضع حدود صارمة وعدم الإفصاح له عن الأسرار والتفاصيل الشخصية.
كيف يمكن التصدي لشخصية الفضولي الضار؟
يُمكن تشبيه الفضولي الضار بالمذياع الذي يذيع أخبارًا لا تُحمد عقباها، لذا من الضروري وضع حدود صارمة وعدم الإفصاح له عن الأسرار والتفاصيل الشخصية. يجب أن نتذكر دائمًا أهمية احترام الخصوصيات. الشخص الفضولي يصبح مُلهِمًا عندما يُوجه فضوله لخدمة المعرفة والإبداع، بينما يتحول إلى سمٍّ قاتل عندما يُسيء استخدامه لنشر الأسرار بقصد الإيذاء والتجريح. الفارق بين الفضول الضار والنافع يكمن في الحدود الأخلاقية ونية الاستفادة. وكما أشار الفيلسوف ألبير كامو “الفضول معرفةٌ تبحث عن نور، بينما التدخل هو ظلٌّ يسعى للعتمة”.