لاتيه : التحرير


لم تتجه الفتوحات الإسلامية نحو الحبشة بشكل رئيسي لعدة أسباب ، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

 

1. العلاقات والمواقف التاريخية الجيدة مع الحبشة

كانت الحبشة (مملكة أكسوم) ملاذًا آمنًا للإسلام وللدعوة الإسلامية وللمسلمين الأوائل منذ بدء الرسالة  خلال الهجرة الأولى والثانية إليها هربًا من اضطهاد قريش في مكة. وقد عامل النجاشي ملك الحبشة المسلمين معاملة حسنة ورفض تسليمهم لقريش، مما خلق علاقة ثقة بين الطرفين .جعلت النبي محمد صلى الله عليه وسلم   يشيد بعدل النجاشي ووصف الحبشة بأنها “أرض صدق”، مما جعلها تحظى بمكانة خاصة في التاريخ الإسلامي المبكر وعند المسلمين .

2. الطبيعة الجغرافية الصعبة للحبشة

تتمتع الحبشة بمناعة طبيعية بسبب تضاريسها الوعرة، مثل الجبال الشاهقة والأودية السحيقة والصحاري القاحلة ، مما جعل غزوها عسكريًا أمرًا صعبًا حتى بالنسبة للجيوش القوية  وقد امتنع بعض الخلفاء   عن محاولات غزو الحبشة  لأسباب موضوعية آخرى .

 

 

3 . السياسة الإسلامية تجاه الحبشة

اختار المسلمون نهجًا سلميًا لنشر الإسلام في الحبشة عبر التجارة والتفاعل الثقافي، بدلًا من الغزو العسكري. فقد استوطن التجار المسلمون السواحل الحبشية مثل دهلك ومصوع وزيلع، ونشروا الإسلام تدريجيًا بين القبائل   ، أدى هذا النهج إلى قيام ممالك إسلامية في الحبشة . ، وكانت البلاد على جانب عظيم من الخير والرخاء، وجميعها متجاورة ما عدا «داره»، فإن أرضها داخلةٌ في نفس نواحي «أمهرا» التي كانت قاعدةَ مملكة الحبشة وقتئذٍ.

وقد ذكر العلامة «القلقشندي» في كتابه «صبح الأعشى» هذه الممالك،  ناقلًا عن «مسالك الأبصار» لمؤلفه «شهاب الدين العمري».قال عن  أوفات: ويقال لها أيضًا «جَبَرْت»، والنسبة إليها «جَبَرْتِيٌّ»، وهي أكبر مدن الحبشة على نشز من الأرض، وعمارتها متفرقة، ودار الملك فيها على «تل» والقلعة على «تل»، ولها وادٍ فيه نهر صغير، وتمطر في الليل غالبًا مطرًا كثيرًا.

مسجد النجاشي

4 . السياق الديني والثقافي

على عكس المناطق التي شهدت فتوحات عسكرية، لمواجهة التهديدات المباشرة من الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية، اللتين كانتا تشكلان خطرًا على الدولة الناشئة.  كانت الحبشة تضم مجتمعات مسيحية تقبل التعايش مع المسلمين، مما قلل الحاجة إلى الغزو. كما أن الإسلام انتشر فيها عبر الحوار والتجارة بدلًا من القتال ، وقد ذكرت بعض المصادر أن الخلفاء الراشدين مثل  عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم امتنعو عن غزوها

وربما شكل النص الديني   -ومنه ماذكره المفسرون  عما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون )  المائدة ( 82 ) قال بعض المفسرين أنها نزلت في نصارى الحبشة  وقيل في غيرهم  __  أوفي الحديث النبوي بنصوص دعت إلى ترك الحبشة . كل هذا وغيره شكل احتراما لهذه البلاد  وعرفانا بجميل صنيعها مع المسلمين الأوائل  ، مما دعى الصحابة  ومن جاء بعدهم إلى ترك الحبشة ومهادنتها وهو ما حصل عبر التاريخ .

اترك تعليقاً