المقالات


وهم الالتزام و استنزافهن

بقلم / سلافة سمباوة

ثمة رجل لا يدخل العلاقات طلبًا للسكينة، بل بحثًا عن علاقات جديدة يتكئ عليها حين يضيق به واقعه. متزوّج في الأوراق، أعزب في السلوك، يتحدّث عن الزواج كما لو كان فكرة معلّقة لا عقدًا يُنفّذ. لا يملك قدرة مالية، ولا استعدادًا نفسيًا، لكنه يملك خطابًا مصقولًا يُغري من لا ينتبه للفارق بين الرغبة والمسؤولية.

يظهر في هيئة رجل مُثقل بالخذلان، يروي حكاية إهمال مزمنة، ويقدّم نفسه ضحية حياة لم يخترها. يَعِد ولا يُنجز، يُلمّح ولا يصرّح، ويؤجّل بحجج مكرّرة لا تنتهي. لا لأن الطريق مسدود، بل لأنه لا ينوي الوصول أصلًا. فالزواج عنده وعد للاستهلاك، لا مشروعًا للبناء.

هذا الرجل لا يكتفي بعلاقة واحدة. هو يبحث عن علاقات متوازية، لكل واحدة دورها الوظيفي. امرأة تُرمّم صورته، أخرى تُخفّف أعباءه، وثالثة تُعيد إليه شعور الرجولة حين يخفت. الأكاذيب لا تتعثّر، لأنها محفوظة، تُقال بذات النبرة، وبذات التفاصيل، كأنها نصّ أُعدّ للاستخدام المتكرر.

الكذب هنا ليس سلوكًا عابرًا، بل نمط حياة. هو يعرف متى يُظهر الضعف، ومتى يستثمر التعاطف، ومتى يُغلق الأبواب فجأة إذا اقتربت الأسئلة من الحقيقة. وحين يُطالَب بخطوة واضحة، يتراجع، لا لأنه عاجز فحسب، بل لأنه لا يريد أن يُسقِط القناع الذي يتيح له الاستمرار.

لماذا يفعل ذلك؟ لأنه لا يبحث عن امرأة، بل عن شعور. شعور بالسيطرة، وبأنه ما زال مرغوبًا، وبأن الآخرين مستعدّون للعطاء دون مقابل واضح. هو لا يريد شراكة متكافئة، بل حضورًا مجانيًا يُنقذه من فراغه الداخلي.

النساء في هذه الدائرة لا يخسرن علاقة فحسب، بل يخسرن وقتًا وطاقة وحدسًا كان يحاول التحذير. يُستنزفن بالتبرير، وبانتظار لا يأتي، وبأمل صيغ بذكاء ليُبقيهن معلّقات دون التزام.

الخروج من هذا الفخ لا يحتاج شجاعة عاطفية بقدر ما يحتاج وضوحًا عقليًا. من يريد الزواج يظهر بفعله قبل كلامه، بخطته قبل وعوده، وبقدرته قبل أحلامه. أما من يبحث عن علاقات تحت لافتة الزواج، فلا يطلب حبًا، بل مساحة إضافية للمراوغة.

وفي النهاية، هذا الرجل لا يعبث بقلوب النساء فقط، بل يُفرغ فكرة الزواج من معناها، ويحوّلها إلى أداة إغواء، تُستخدم عند الحاجة، ثم تُترك خلفه كأثر لا يلتفت إليه

اترك تعليقاً