المقالات


حاضر للجميع… غائب عن نفسه

بقلم الكاتبة: سلافة سمباوة

لا يحتاج بعض الأشخاص إلى وحدة ليشعروا بالفراغ يكفيهم أن يكونوا محاطين بالجميع. فكلما ازدحم المجلس خفّ الصوت الداخلي وكلما كثرت الوجوه تأجّل السؤال الحقيقي من أنا حين لا يصفّق أحد.

ليس هذا الحضور الكثيف دليل دفء بل علامة احتياج. فهناك نمط نفسي يجد في كثرة الأحاديث ملاذًا وفي الإصغاء الدائم إثباتًا مؤقتًا للأهمية. لا يقترب ليشارك بل ليُرى ولا يُصغي ليحتوي بل ليُشبع نقصًا لا يعترف به.

في الجذور غالبًا ما تبدأ الحكاية من طفولة لم يُلتفت فيها إلى المشاعر بقدر ما كوفئ فيها الأداء. كبر الجسد لكن الحاجة القديمة بقيت تبحث عن تصديق خارجي. ومع الوقت صار الانتباه عادة والإعجاب شرطًا غير معلن للطمأنينة.

حين تُقال الأسرار يشعر بالقوة. المعرفة هنا لا تُستخدم للفهم بل كدليل تفوق. كل اعتراف يُضاف إلى رصيده وكل ثقة تُمنح له تُترجم داخليًا على أنها سلطة. إنها سيطرة ناعمة بلا أوامر لكنها مشبعة بالأنانية المقنّعة.

تظهر النفخة الكاذبة بوضوح في تضخيم الذات وفي الحديث المتكرر عن الدور والتأثير والحضور. ليس لأن الثقة عالية بل لأن الداخل هشّ. فالواثق لا يشرح نفسه كثيرًا ولا يحتاج جمهورًا دائمًا ليُثبت وجوده.

العلاقات المتكافئة تُربكه لأنها تُسقط القناع وتفرض مواجهة الذات. لذلك يفضّل دوائر تُعجب ولا تُراجع تُصغي ولا تُحاسب. وحين يخفت الضوء يبحث عن مجلس آخر ووجوه جديدة وانتباه طازج.

هكذا يبدو حاضرًا للجميع متاحًا قريبًا بينما يظل غائبًا عن نفسه. فالضجيج قد يملأ المكان لكنه لا يملأ الداخل. ومن لا يطيق الجلوس مع ذاته سيظل يبحث عن الآخرين لا حبًا فيهم بل هروبًا منها

اترك تعليقاً