أزمة استماع
بقلم : محمد بن عايض
تتجلى حاجتنا ككائنات بشرية إلى مستمع صادق، متعاطف وأمين، كواحدة من أبرز الاحتياجات الملحة في عالمنا المعاصر. في زمن يُثقل الكاهل بالضغوط النفسية والاجتماعية، . تعاني بعض المجتمعات من أزمة حقيقية في المستمعين، حيث يسعى الجميع لأن يكون الصوت الأبرز، وفي حال وُجد مستمع، يكون غالبًا مُصغٍ إلى ذاته فقط، غير مُبالي بمشاعر الآخرين، ناهيك عن غياب صفات الثقة والصدق والأمانة.
المستمع الصادق يمتلك أذنًا متفتحة وقلبًا مليئًا بالتعاطف، حيث يعبر عن مشاعره الدافئة من خلال حديثه. أما الأمين، فهو يتعهد بحفظ أسرارك وكتمان ما تُفضي به إليه، مانعًا أي متطفل من الاقتراب من أعماقك. فهو يحفظ بوحك ومكنونات صدرك في بئر عميق لا يعرف له قرار، بعيدًا عن الأعين الفضولية والساعية إلى الفتنة.
في خضمّ أزمة وجود الشخص الأمين الذي يُعتبر حارسًا لأسرار الحديث واعترافات النفس، يتجلى السبب في ندرة المستمعين المخلصين القادرين على حفظ ما يُودع إليهم من أسرار الأصدقاء والمجالس، دون أن يتهوروا في نشر ما سمعوه.
فما الذي جعل الأمناء على المجالس يتحولون إلى عملة نادرة في عصرنا؟ ولماذا أصبح الاستعجال في إشهار كل ما يصل إلى الأذن، سواء كان حقًا أو باطلًا، يعدّ مصدرًا للابتهاج والتسلية، دون تروٍ أو تمحيص لما يُروى، هل هو جدير بالنشر أم هو مدعاة للشر والفتنة ؟
قبل أن تخطو نحو الحديث، نحو بيتك وأسرتك ومشاعرك، عليك أن تتوقع أن حديثك سيتلقفه الساعون بالنميم، الذين يجيدون التلاعب بالكلمات وتأليف القصص. لذا، كن حذرًا واعرف من تسرد له حديثك، فقد يكون حديثك نابعًا من نية صافية وقلب نقي، لكن الناقل والهماز قد لا يشاركونك تلك الفضائل. لقد تحدث الحكماء، وألفوا تراثًا عظيمًا يفيض بالحكمة، وتحدثوا عن ضرورة كتمان الأسرار وحفظ الحديث في القلب، فلا تفشيه إلا لمن تثق به وتجد فيه الأمان.
إن حاجة الإنسان إلى الإفصاح عن مشاعره والبوح بما يعتمل في نفسه هي حاجة عميقة، تنبع من عمق روحه، حيث يعاني ضيق النفس وكرب الهموم. هذه الحاجة ليست بالضرورة مرتبطة بالبحث عن حلول، بل هي أشبه بمتنفس للروح، يتيح له تخفيف أعباء ما يثقل صدره من خلال التعبير عن نفسه واستخراج ما يختلج في أعماقه.
لكن ناهيك عن ذلك، فإن وجود صديق حكيم يستمع إليك بيقظة ويشاركك مشاعرك بتعاطف، ويكون مخلصاً في استماعه، يعدّ أكثر أهمية بكثير من مجرد البوح. فإذا وجدت هذا الصديق الذي يمكنك أن تثق به بصدق، فذلك هو الكنز الثمين، فلا تضيع عقلك، وتهتك سرك وتكشف ستر بيتك بلسانك عند من لا يرى للسر حرمة، فتغدو أنت وبيتك وأهلك تسلية للفارغين، وأضحوكة للعابرين .
