مزرعة غصن الريفية..حكاية التجربة الفريدة
نجحت غصن الريفية في زراعة العديد من الأشجار النادرة ووطنت زراعة الأرز في تجربة فريدة

لاتيه : تقرير
بقلم / محمد بن عايض
عندما تخطو أولى خطواتك عبر بوابة مزرعة غصن الريفية، تستقبلك أجواء من الود والترحاب، حيث يلقاك صاحب المزرعة، السيد عمر بن محمد الشهري، بأحلى وأجمل عبارات الترحيب والاحتفاء. ومع كل خطوة تخطوها في طرقاتها، تحت ظلال أشجارها الوارفة، ينفث الهواء عبق أزهارها، وتمدك بأطيب ثمارها. منذ اللحظة الأولى، تشعر بعمق التجربة المتاحة أمامك، ويشتعل في داخلك شغف لمعرفة تفاصيل الحكاية ورغبة في استكشاف روايتها الطويلة وكيف بدأت.

بداية الحكاية
كان حلم مزرعة غصن ينمو في خيال مالكها منذ نعومة أظفاره، حيث كان يعتقد أنه سيصبح صاحب مزرعة تتألق بفرادتها، مزرعة تتميز برؤيتها وفلسفتها وأهدافها الفريدة. وحقاً، انطلق المشروع إلى عالم الواقع، متجاوزاً العديد من التحديات الكبيرة المتعلقة بالموقع والإمكانات والمساحة والمناخ والتسويق، ناهيك عن ضعف الخدمات المتاحة. ورغم كل هذه العقبات العسيرة، تمكن مالكها عمر بن محمد من تحويل تلك التحديات إلى فرص حقيقية للتميز، ليبدع موقعاً يعد من أجمل المواقع في المنطقة. فكيف استطاع تحقيق هذا الإنجاز الرائع؟

الانطلاق
في شمال محافظة المجاردة التابعة لمنطقة عسير جنوب المملكة العربية السعودية وعلى بعد 5كم من مركز المحاافظة في قرية مملح الخضراء – لكثرة المزارع بها – انطلقت مزرعة غصن الريفية في عام 2003، بجرأة وتحدٍ، على أرض لا تتجاوز مساحتها 9000 متر مربع. وقد ألهب هذا التحدي حماسه، مدفوعاً بتوفيق الله ورؤية واضحة للغرض وشغف عارم تجاه هذا النشاط الحيوي (الزراعة)، مع أمل متجدد في تحقيق حلم راوده طويلاً. بدأ المشروع ب 50 شجرة فقط، ورغم أن التحديات كانت جسيمة وفرص النجاح ضئيلة، إلا أن التخطيط السليم والتركيز والصبر والإصرار كانت أسساً راسخة أسهمت في مسيرة النجاح. ومع أهمية هذه الأسس، هناك سر آخر يستحق الذكر، يُعتبر أحد مفاتيح نجاح المشاريع.
بدأت مزرعة غصن تسير نحو آفاق جديدة، ومع كل خطوة نحو التوسع تتجلى أمامها عقبات جديدة، لكن التخطيط المدروس، وتقسيم الأهداف بشكل استراتيجي، ووضوح الغاية، يساعدون على التغلب على مشاعر الملل والإحباط التي قد تعترض طريق المشروع.
أخذ المشروع ينمو ويتسع، وكان اهتمام السيد عمر منصبا على الزراعة وزيادة المساحات الخضراء، حتى بات عدد الأشجار اليوم يتجاوز الألفين،2000 فيما بلغت المساحة أكثر من 50000 متر مربع. وفي هذا السياق، من الضروري أن نبرز السر الذي يمنح المشاريع روح الحياة، ويضمن لها الاستمرارية والنجاح، وهو الالتزام بالأخلاق في بناء المشروع.

الدور الإنساني
تولي مزرعة غصن اهتمامًا خاصًا للجوانب والإنسانية و الأخلاقية في أهدافها وغاياتها وتطبيقاتها. وفي هذا السياق، لا يلغي المشروع الأهداف المادية، ولكن في مزرعة غصن، تأتي تلك الأهداف في مرتبة ثانوية مقارنة بتعزيز الجانب الإنساني، من خلال رعاية المبادرات الإنسانية والوطنية مثل مبادرة حملة لنجعلها خضراء في مزرعة غصن الريفية وبحضور عدد من أطفال التوحد وأسرهم وهي لفته إنسانية رائعة وهو ما يلمسه كل زائر للمزرعة الريفية. فالأشجار في غصن تفيض بثمارها الطازجة من أرقى الأنواع العضوية، وفي ذات الوقت، لا يُحرم الزائر من الاستمتاع بتذوق هذه الثمار في أوانها، وسط أجواء الطبيعة الساحرة.
عند زيارة هذا المشروع، يغمر الزائر شعور من الرضا العميق وسعادة لا تُنسى، حيث إن الهدف الأسمى هو الإنسان ذاته. من خلال ما تحتوي المزرعة من جلسات في أماكن متفرقة من المزرعة و منطقة ألعاب للأطفال و ممرات رائعة تظللها الأشجار المثمرة و خدمات الضيافة مثل الديوانية و المقهى و المطاعم ومحمية للطيور .
هنا في هذه الأجواء ُيستمتع بأجمل اللحظات دون تكاليف باهضه ، ويدرك الزائر عمق شراكته وولائه لهذا المشروع الإنساني الاستثنائي. ولا يساورنا أدنى شك في أن الأبعاد الإنسانية والأخلاقية تُعتبر ركيزة أساسية لنجاح المشاريع على المدى البعيد.
ثمار النجاح
بدأت مزرعة غصن الريفية في حصد ثمار النجاح ولم يكن ذلك يتأتى لولا توفيق الله ودعم القيادة الرشيدة
- حصلت على لقب أفضل مزارع في منطقة عسير لعام 2021 من وزارة البيئة والمياه والزراعة، وهو إنجاز يبرز تفاني وجهود المزارعين في تعزيز الإنتاج الزراعي. وفي إطار سعيها الحثيث نحو تطوير المعرفة والمهارات.
- وقّعت جامعة الملك خالد، ممثلة في الكلية التطبيقية بالمجاردة، مذكرة تفاهم مع مزرعة غصن، لتكون خطوة رائدة ضمن جهود الكلية نحو إنشاء برامج تعليمية وتدريبية مبتكرة تسهم في تحقيق استراتيجية الجامعة في هذا المجال الحيوي.
- تمكنت من تحقيق مركز متقدم (السابع) على مستوى منطقة عسير في مبادرة أجاويد (فليكس تركي)، التي تشارك سنويًا في هذه المبادرة منذ بدايتها.

الدور الوطني والتوعوي
كانت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال، أمير منطقة عسير، بمثابة تتويج لمبادرة أجاويد، حيث أشرقت هذه الزيارة على مزرعة غصن الريفية، مشيدةً بجهود تحويلها إلى مشروع وطني متكامل يتناغم مع رؤية 2030، ويعزز من قيمة القطاع الزراعي في بلادنا.
- استضافت الكثير من المهتمين بالشأن الزراعي وكبار المسؤولين والوفود والزوار لمحافظة المجاردة من داخل المملكة وخارجها .
- حازت المزرعة على العديد من الخطابات والشهادات والدروع التقديرية تعبيرًا عن شكر المجتمع لها، وذلك لدورها الفاعل في العديد من الأنشطة الاجتماعية والوطنية، مثل مشاركتها المشرقة في احتفالات اليوم الوطني في سما أبها.
- شاركت في العديد من المهرجانات، كالمهرجان الرائع لمنتجات عسير الزراعية في أبها، بالإضافة إلى مهرجان العسل العاشر والثاني عشر في المجاردة، فضلاً عن مهرجان الدخن الأول الذي أُقيم في بارق.
- تعد المزرعة منارةً للمعرفة الزراعية، حيث استضافت العديد من ورش العمل التي نظمها مكتب الزراعة في محافظة المجاردة. جاءت هذه الفعاليات لتغرس في النفوس حب الزراعة وتعزيز الوعي بالثقافة الزراعية، بالإضافة إلى دعم المبتدئين في رحلتهم نحو عالم الزراعة، مما يسهم في ازدهار الغطاء النباتي، ويعزز من جمال الطبيعة.مثل ورشة عمل بعنوان خدمة ورعاية اشجار المانجو و تفعيل يوم الصحة النباتية بالشراكة مع بلدية المجاردة و مركز وقاء .
نجحت غصن الريفية في زراعة الأرز وحققت نجاحاً باهراً،

التجارب الفريدة
برز مشروع مزرعة غصن الريفية كواحة تُعيد إحياء الأصناف النادرة وأشجار البيئة المحلية المهددة بالانقراض، مثل النكر والصبر والدي. فهو يحتفي بحماية أشجار البيئة المحلية ويضع نصب عينيه التطوير المستمر، مفعلاً جهود إعادة توطين زراعة حبوب السيلان. ومن بين التجارب الاستثنائية، جاءت زراعة الأرز التي حققت نجاحاً باهراً، مما أسهم في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي كانت تعيق زراعة هذا المنتج العالمي.
الحرص على القيم من التأسيس إلى النجاح
تعتبر تجربة مزرعة غصن الريفية إحدى التجارب الملهمة والفريدة التي تثير إعجاب الشباب، وخصوصاً في المجال الزراعي. فقد انطلقت هذه التجربة من الصفر، لتبلغ مرتبة رفيعة يُشار إليها بالبنان، مما جعلها وجهة مفضلة للزوار المحليين والسياح الأجانب على حد سواء. إذ تحولت من مساحة متواضعة مقارنة بمزارع كبرى وعدد محدود من الأشجار، إلى مشروع نجاح شخصي بارز يحظى بالتقدير، ويحصد الجوائز والشهادات.
وقد تحقق ذلك بفضل الله وتوفيقه، ثم بفضل الصبر والتركيز والإصرار، مع الحرص على القيم الإنسانية والأخلاقية منذ لحظة التأسيس وحتى الوصول إلى النجاح. لا شك في أن مثل هذه الجهود تستحق الدعم والمساندة، وهو ما قدمته القيادة الرشيدة، مما جعل مزرعة غصن الريفية مزارا ومثالاً يُحتذى به وتجربة فريدة من نوعها.
الله يبارك لصاحب المشروع وان يوفقه. واسال الله ان يسهلي لزيارة المنطقة والمزرعة.