المقالات


حينما يتحول الشك إلى حقل ألغام

بقلم :  سلافة سمباوة

 

في المشهد الاجتماعي المعاصر تبرز شخصيات تتقن فن بناء هيبة وهمية، يحيطون أنفسهم بهالة من الاستحقاق والترفع، لكن خلف هذا الجدار الصخري تكمن نفسية هشة سرعان ما تتشظى عند أول اختبار حقيقي أو مواجهة صريحة. هؤلاء هم من يمكن وصفهم بأصحاب النرجسية المتجذرة، حيث يتغلغل العوز العاطفي في عمق تكوينهم ليغدو المحرك الأساسي لكل تصرفاتهم الدفاعية.

ويلاحظ في هذه الشخصيات ردة فعل نمطية عند تعرضهم للنقد أو التحدي، إذ يبرز الغضب الانفجاري ليس كدليل قوة بل كوسيلة لإرهاب الطرف الآخر وإغلاق باب النقاش الذي قد يكشف عيوبهم المستورة. بالنسبة لهم الخطأ ليس مجرد هفوة بشرية بل هو تهديد وجودي لكيانهم المتضخم، لذا يلجؤون لقلب الطاولة وتحويل المواجهة من نقاش موضوعي إلى صراع شخصي محموم يسعون فيه للانتقام عوضاً عن الإصلاح.

ومن المثير للاهتمام كيف تتحول هذه الشخصية التي كانت قبل قليل تمارس الاستعلاء إلى تبني دور الضحية المظلومة بمجرد اشتداد الأزمة. إنها ممارسة احترافية للتلاعب النفسي، حيث يتم إعادة صياغة الوقائع واستدرار عواطف المحيطين لتشتيت الانتباه عن أصل المشكلة. هذا الالتفاف الذهني يضع الطرف الآخر في حالة من الذهول، وقد يقود المجتمعين حولهم إلى التعاطف مع الجاني بصفته مجنياً عليه.

وتكتمل هذه المنظومة بحالة من الاستنفار الدائم والشكوك التي لا تنقطع، حيث تُفسر الكلمة العابرة على أنها إهانة مقصودة، ويُرى نجاح الآخرين كمؤامرة تستهدف إسقاطهم. هذه الحساسية المفرطة ليست في حقيقتها إلا انعكاساً لعدم ثقة أساسية بالذات، فمن لا يملك قيمة داخلية مستقرة يظل يترقب تقييم الآخرين بحذر، ويخشى من أي نقد قد يزيح الستار عن هشاشته العميقة.

إن مأساة هذه الشخصيات تكمن في أنهم يبحثون عن قيمتهم في عيون الناس بينما يدّعون في العلن أنهم لا يكترثون لأحد. يعيشون في سجن من الهواجس والشك، ويخنقون علاقاتهم بالرغبة في السيطرة والدراما المستمرة. هم لا يملك مادة داخلية صلبة تهدئ روعهم عند الانكسار لأنهم استثمروا كل طاقتهم في تلميع الإطار الخارجي ونسوا ترميم الجوهر من الداخل. إن مواجهة هذه الشخصيات لا تتطلب الانخراط في صراعاتهم العبثية بل تتطلب وعياً بآليات تلاعبهم النفسي، فالقوة الحقيقية تكمن في الاتزان والقدرة على مواجهة الذات بصدق، أما الصراخ وعيش دور الضحية فليسا إلا صدى لخواء داخلي لم يجد صاحبه سبيلاً لترمیمه.

اترك تعليقاً