المقالات


قمع

بقلم / سلافة سمباوة

يعيش الإنسان في مساحة دقيقة بين ما يشعر به وما يُفترض أن يشعر به، بين اندفاع العاطفة وانضباط العقل. وفي هذه المساحة، يتكوّن صراع خفي يوجّه سلوكه وقراراته، وغالبًا ما يُحسم هذا الصراع لصالح القمع، بوصفه خيارًا يبدو أكثر نضجًا واتزانًا. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن القمع ليس تهذيبًا للنفس بقدر ما هو إعادة تشكيل مشوّه لها.

عندما يتجاهل الإنسان آلامه، لا تختفي، بل تتحول إلى كبت. والكبت لا يذوب مع الزمن، بل يتراكم ويبحث عن طرق غير مباشرة للتعبير. قد يظهر في انفعالات حادة، أو برود مفاجئ، أو سلوكيات متناقضة لا يفهمها صاحبها نفسه. لذلك تبدو تصرفات البعض غريبة؛ لأنها ليست نابعة من وعي حاضر، بل من ألم قديم يرتدي قناعًا جديدًا. فالرغبة التي تُقمع لا تموت، بل تعود في صورة أخرى، وغالبًا بصورة أكثر تشوهًا.

كل رغبة مقموعة تحمل في داخلها ألمًا، وكل ألم مخفي يتحول إلى كبت، وكل كبت ينعكس على سلوك الإنسان بطريقة غير سوية. هنا يبدأ التزييف؛ يقول الإنسان ما لا يشعر به، ويتبنى أفكارًا لا تشبهه، ويعيش حياة يبررها بدل أن يعيشها بصدق. القمع قد يمنح مظهرًا من السيطرة، لكنه في العمق يخلق انقسامًا داخليًا بين ما هو حقيقي وما هو مُدّعى.

وفي قلب هذا الصراع، يبرز مفهوم الحب، لا بوصفه علاقة بين شخصين فقط، بل كطاقة إنسانية شاملة؛ كقدرة على الارتباط بالحياة، وعلى الإحساس بالجمال، وعلى الانفتاح على الآخرين وعلى الذات. إلا أن هذه الطاقة تُهمّش أحيانًا، ويُنظر إليها على أنها ترف أو ضعف، فيتم قمعها أو التقليل من شأنها. يُقال إن الحب ليس مهمًا، وكأن الإنسان يستطيع أن يعيش مكتفيًا بالوظائف دون المعنى.

لكن من منظور نفسي، الحب ليس رفاهية، بل عنصر أساسي في التوازن الداخلي. ليس المقصود به شخصًا بعينه، بل حالة من الامتلاء، من القبول، من القدرة على التفاعل مع الحياة دون عدائية. عندما يغيب هذا المعنى، تصبح النفس أكثر عرضة للجفاف، وتتحول العلاقات إلى أداء وظيفي خالٍ من الروح، ويزداد الميل إلى القسوة أو اللامبالاة.

الحب بمعناه الواسع هو ما يجعل الإنسان أكثر إنسانية؛ هو الذي ينعكس في اللغة، في النظرة، في التعامل، في تقدير التفاصيل الصغيرة. هو الذي يدفع الإنسان لأن يعتني بنفسه، لا بدافع الإرضاء، بل بدافع الشعور بالقيمة. وعندما يُقمع هذا الشعور، تظهر البدائل المشوهة؛ تعلق مفرط، قسوة غير مبررة، أو حتى سخرية من كل ما يحمل طابعًا عاطفيًا.

المشكلة ليست في وجود الرغبات، بل في الخوف منها. حين يتعامل الإنسان مع عاطفته كتهديد، يبدأ في قمعها، معتقدًا أنه يحمي نفسه، بينما هو في الحقيقة يؤجل مواجهتها. فيتحول القمع إلى عبء داخلي، ينعكس على سلوكه ونظرته للحياة.

في النهاية، القمع لا يصنع توازنًا، بل يصنع نسخة منقوصة من الإنسان. أما الحب، بمعناه الشامل، فهو ما يعيد لهذا الإنسان اكتماله. هو ليس ضعفًا، بل وعي عميق بالحياة. وبين العقل والعاطفة، لا يكمن الحل في إلغاء أحدهما، بل في فهمهما معًا، دون قمع أو إنكار

اترك تعليقاً