المقالات


سراب الغواية

بقلم / سلافة سمباوة

تضحك بسخرية وهي تسأله: تحبني؟
لكن السؤال هنا ليس بريئًا، بل هو فخّ. فالحب، في هذا النموذج، لا يُرى كقيمة إنسانية، بل كلعبة نفسية تُدار بمهارة، حيث يتحوّل الرجل إلى انعكاس لنقصٍ داخلي، أو محاولة لإثبات رجولة مهتزة، أو بحث طفولي عن حنان مفقود.

هذا النمط من العلاقات لا يقوم على المودة، بل على السيطرة. هي لا ترى فيه شريكًا، بل لعبة تُحرّكها متى شاءت، وتتركها حين يظهر ما هو أكثر إثارة أو بؤسًا. تتقن دور المنقذة، لكنها في الحقيقة تُغذي احتياجها للشعور بالقوة، حتى لو كان ذلك على حساب قلوب الآخرين وأوقاتهم وأموالهم.

لكن السؤال الأهم: لماذا ينجذب البعض لهذا النموذج المؤلم؟

في علم النفس، لا يُعد هذا السلوك مجرد لعب، بل قد يرتبط بأنماط تعلّق غير صحية، تشكّلت منذ الطفولة. الرجل الذي ينجذب لامرأة تُهمله أو تُربكه، غالبًا ما يحمل داخله قصة قديمة مع الحرمان أو الرفض. فيعيد تمثيلها دون وعي، معتقدًا أن الفوز بقلبها سيمنحه الشفاء. لكنه، في الحقيقة، يغرق أكثر.

وبالمقابل، المرأة التي تتقن هذا الدور، ليست دائمًا شريرة كما يُصوَّر، بل قد تكون هي الأخرى نتاج بيئة مضطربة، تعلّمت فيها أن الحب لا يُمنح بسهولة، وأن السيطرة هي السبيل الوحيد للأمان. فتُخفي هشاشتها خلف قناع الإغراء والغموض، وتستمد قيمتها من قدرتها على التأثير، لا من ذاتها الحقيقية.

هنا تتداخل الأسطورة مع الواقع. صورة شهرزاد التي تُغري دون أن تُفصح، وتُمسك بالخيوط دون أن تنكشف، أصبحت نموذجًا متخيّلًا في أذهان كثير من الرجال. امرأة ذكية، لكن لا تُظهر ذكاءها، قوية، لكن تتقن دور الضعف، بعيدة، لكن تترك باب الأمل مواربًا. هذه المعادلة تُبقي الرجل في حالة سعي دائم، وتغذّي وهم العشق المستحيل.

لكن هل هذا حب؟

الحب الحقيقي لا يقوم على الجوع، ولا على الإذلال، ولا على لعبة شدّ الحبل. الحب، ببساطة، هو مساحة آمنة يشعر فيها الطرفان بالتقدير والاحترام. حين يُقابل التعبير عن المشاعر بالتجاهل، أو يُكافأ الصدق بالبرود، فنحن أمام خلل، لا أمام كيمياء.

كما أن فكرة التقل أو الغموض المبالغ فيه، قد تنجح في إثارة الانتباه مؤقتًا، لكنها لا تبني علاقة صحية. بل قد تتحول إلى دائرة من التعلّق المؤلم، حيث يلهث أحد الأطراف خلف الآخر، بينما يستمد الطرف الثاني لذته من هذا اللهاث.

الواقع أن التعميم هنا خطأ. ليس كل رجل يبحث عن امرأة تُعذبه، ولا كل امرأة تنجذب لمن يُهملها. هناك من يبحث عن الاستقرار، عن الصدق، عن علاقة تُشبهه لا تُرهقه. لكن الضجيج العاطفي، والقصص الدرامية، غالبًا ما تُخفي هذه الحقيقة البسيطة.

في النهاية، ليست كل امرأة غامضة قوية، ولا كل رجل متجاهل جذاب. أحيانًا، يكون الوضوح شجاعة، والاهتمام نُبلًا، والانسحاب وعيًا.

أما أولئك الذين يحوّلون الحب إلى لعبة، فعليهم أن يتذكروا: ليست كل القلوب قابلة للكسر، وليست كل الطيور فريسة. فبعضها، حين يكتشف اللعبة، لا يُجاريها، بل يُحلّق بعيدًا، تاركًا اللاعب وحيدًا في ساحةٍ ظنّها ممتلئة

اترك تعليقاً