المقالات


عابرون

بقلم / سلافة سمباوة

على شاطئ البحر، كانا يجلسان بصمتٍ طويل، يتأملان امتداد الأفق حيث يذوب اللون في اللون، وكأن العالم كله ينسحب بهدوء إلى داخلهما. كان الموج يتقدّم ويتراجع كأنفاسٍ هادئة، وفي ذلك السكون وُلد حديث لم يكن له موعد، حديث يشبه الأسئلة التي لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن معنى.

قالت بصوتٍ خافت:
هناك مشاعر لم نعشها بعد، ولحظات لم نصادفها، ووجوه لم نرَ فيها تناقض الحياة. نحن نظن أننا رأينا كل شيء، لكن الحقيقة أننا لم نلمس إلا القليل من هذا الاتساع.

كأننا نحيا مغمضي البصيرة، نمشي في طريقٍ لا نعرف نهايته، نتحسس خطواتنا خوفًا من الاصطدام، ونمضي رغم ذلك. فهل هناك طريق سهل؟ أم أن كل الطرق، مهما بدت مستقيمة، تخفي انحناءاتها في الداخل؟

كان البحر أمامهما مفتوحًا، لكن داخلهما كان أكثر ازدحامًا. طفولة لم تنتهِ تمامًا، وخوف قديم لا يزال يتشكل بأسماء جديدة. ربما لا يكبر ذلك الطفل فينا أبدًا، ربما نظل نحمله معنا، يطلّ من تصرفاتنا، ومن قلقنا، ومن حاجتنا لأن نُفهم دون أن نشرح.

الحياة بدت كأنها محطات عابرة، لا يملك المسافر فيها رفاهية البقاء طويلًا. نصل، نتعلّق، ثم نُدفع للرحيل دون أن نعرف متى انتهى دورنا في هذا المكان. فكيف نعرف أن وقتنا في محطةٍ ما قد انتهى؟ وكيف نقبل فكرة أن بعض الأماكن ليست لنا، مهما أحببناها؟

الليل الذي يسكن أعيننا لا يبدده صباحٌ خارجي. الخوف، حين يستقر في الداخل، يصبح قيدًا غير مرئي، يجعلنا نبدو بعيدين حتى ونحن في قلب المشهد. بينما الحقيقة أبسط مما نتصور: الجدران التي تحاصرنا ليست إلا أفكارًا، ولها أبواب… لكننا لا نراها لأننا اعتدنا العتمة.

كلما استسلمنا أكثر، تألمنا أكثر. وكلما تمسكنا بخوفنا، ابتعدنا عن الحياة التي نبحث عنها. لا أحد سيمسك أيدينا ليقودنا نحو النور، ولا أحد يعرف التفاصيل التي شكّلتنا. كل إنسان يحمل داخله حكاية لا تُرى، ووجعًا لا يُقال.

لهذا، لا تنتظر الكثير من الآخرين. عش شعورك كما هو، اضحك أو ابكِ دون تبرير. مع الوقت، ستتغير، وستكتشف نفسك كما لم تعرفها من قبل.

قد تكون الطرق متشابهة، وقد يبدو الجميع سائرين نحو شيءٍ واحد، لكن لكل إنسان طريقه الخاص، بعثرته الخاصة، ونوره الخاص.

وربما… كلنا عابرو طريق، نبحث عن يدٍ تُشبهنا، بينما نحاول أولًا أن نجد أنفسنا.

اترك تعليقاً