المقالات


من ( أنا ) إلى ( نـا )

بقلم / سلافة سمباوة

كان يظن أن العتمة جزءٌ ثابت من تكوينه، وأن الليل الطويل الذي يسكنه لن يبدّده أحد. عاش سنواته يتقن الصمت أكثر من الكلام، ويخفي تعبه خلف هدوءٍ بارد لا يراه الناس إلا اتزانًا، بينما هو في الحقيقة يجرّ خلفه إرهاقًا داخليًا لا يهدأ. ثم جاءت تلك التي لم تدخل حياته بصخب، إنما دخلت كالضوء من نافذة صغيرة إلى غرفةٍ مغلقة منذ أعوام.

لم تكن تقوم على الاستعراض العاطفي أو الكلمات الكبيرة بقدر ما كانت قائمة على شعور نادر بالأمان. أحياناً بعض العلاقات لا تغيّر شكل الحياة من الخارج، لكنها تعيد ترتيب الإنسان من الداخل، وهذا ما حدث له تمامًا. صار أكثر هدوءًا، أقل قسوة على نفسه، وأكثر قدرة على مواجهة أيامه دون ذلك الثقل القديم الذي كان يلتهمه بصمت، دون الشعور بالتردد أو الخوف أو حتى التوتر والارتباك
كموج ثائر هدأ فجأة واستقر ، كل شيء داخله أصبح صحواً بلا تفسير منطقي حتى تلك الراحة التي سكنته لايعرف سببها حين استقرت يدها على قلبه ..

ثمة أشخاص لا يعرفون كيف يعبّرون عن الحب بالكلام، فيترجمونه بالأفعال الصغيرة؛ بالاهتمام، بالمراقبة الخفية، بالخوف، بالرغبة في الحماية، وبالحضور الذي يشبه السند. كان من هذا النوع تحديدًا. يختبئ خلف تحفظه، لكنه حين يمنح قلبه يفعل ذلك بكامل روحه. ولهذا حين قال يومًا: “أنا أحنّ عليكِ من والديك”، لم تكن جملة عابرة أو محاولة للمبالغة، كانت اعترافًا صادقًا بطريقته الخاصة.

فبعض البشر لا يقيس الحنان بالكلمات، بل بما يفعلونه حين تنهار الروح. باليد التي تُمسك بك دون سؤال، بالصبر على تقلباتك، بالاحتواء الذي لا يطلب مقابلًا، وبذلك الإحساس النادر أن هناك من يريد أن يحميك من العالم كله حتى من نفسك أحيانًا. بالرغبة في البقاء معك كيفما كنت بجوانبك المظلمة أو حتى المنيرة ، بالفعل المستمر على التواجد في يومك وحتى تفاصيلك ، في ازالة الشكوك الشائكة من قبل أن تنبت فيك ، في وهبك الأجوبة من قبل أن تسأل . في التناغم الهين ، في القناعة التامة بك رغم ضجيج وتشويه العابرين . في جعلك مستثنى رغم وجود المحبين الكثر والمنافقين و الكارهين تبقى أنت وحدك لاتشبه احد ولا تساويه

العلاقات الحقيقية لا تُشبه القصص الصاخبة التي يروّج لها الناس، إنها الطمأنينة. التي تحل بك ، تشبه أن يجد الإنسان مكانًا يستطيع أن يخلع فيه خوفه، وتعبه، وحذره الطويل. وهذا النوع من الحب لا يحدث كثيرًا، لأن أغلب العلاقات الحديثة قائمة على الاستهلاك السريع للمشاعر، بينما العلاقات العميقة تُبنى على الاحتواء والرحمة والصبر.

وربما لهذا السبب كان تأثيرها عليه مختلفًا. لم تكن مجرد امرأة مرّت في حياته، بل نافذة هواء دخلت إلى قلبٍ اختنق طويلًا. ومع الوقت، اكتشف أن بعض البشر لا يأتون ليضيفوا لحظات جميلة فقط، بل ليعيدوا الإنسان إلى نفسه بعدما أضاعها وسط القسوة والخذلان والضجيج. أن تكون مع أحد يهتم حقاً كيف تبدو من الداخل ، كيف تترك كل الصداقات التي تقل منك ، ومن الافكار التي لم تعد تخدمك ، بعض العلاقات لاتمارس فيها الالاعيب والحيل ولا تود مطلقاً
هي اشبه بالنور الذي يحل لهذا لم يكن غريبًا أن تبدو كأنها محَت عتم الليالي من داخله.

فالحب الحقيقي لا يُنقذ الإنسان من العالم، لكنه يخفف وحشته فيه. والحنان الصادق لا يغيّر الماضي، لكنه يمنح القلب قدرة جديدة على الاحتمال. وفي زمنٍ أصبحت فيه المشاعر سريعة ومؤقتة، يبقى أجمل ما قد يسمعه الإنسان من شخصٍ يحبه، ليس كلمة “أعشقك”، بل شعوره العميق بأنه لن يُترك وحيدًا بعد الان ، لن يخذل ولن يكسر . بعض العلاقات تشد عودك وتسندك وتجعلك أقوى وأنجح وأكثر استقراراً ، حتى أنها ستجعلك تغير الكثير فيك دون طلب أو ضغط ، وحدك ستفعل أشياء لم تكن تفعلها سابقاً لكنها تصب في نموكما ولا يصبح ضمير المخاطبة (أنا ) إنما يتحول إلى ( نا) .

اترك تعليقاً