حين يرتدي الأذى قناع الطيبة

بقلم / سلافة سمباوه

ليست كل الشخصيات المؤذية صاخبة أو عدوانية كما يتصور الناس، فبعضها يظهر في صورة الشخص اللطيف والخدوم والمتواضع، ويتقن صناعة صورة اجتماعية براقة تجعل الآخرين يدافعون عنه ويشهدون له بحسن الخلق. لهذا السبب لا يكون اكتشاف الشخص المؤذي سهلاً دائمًا، لأن المشكلة لا تكمن في مظهره الخارجي بل في سلوكياته عندما تتعارض مصالحه مع الآخرين.

بعض الأشخاص لا يفضلون المواجهة المباشرة، ليس لأنهم أكثر حكمة أو نضجًا، بل لأنهم يخشون تحمل مسؤولية أفعالهم. لذلك يلجؤون إلى أساليب أكثر خفاءً، كالتلميح والتأويل ونقل الكلام وصناعة الانطباعات السلبية. وحين يشعرون بالغيرة أو التهديد من شخص مستقل أو مؤثر أو مختلف عنهم، فإنهم لا يناقشونه بصراحة، بل يحاولون عزله اجتماعيًا أو تشويه صورته لدى الآخرين.

وفي كثير من البيئات الاجتماعية تظهر ظاهرة الشلل المغلقة التي تمنح القبول لمن ينتمي إليها، وتعاقب من يرفض الدخول في منظومتها. فالشخص الذي لا يشارك في النميمة، أو يرفض المجاملات الزائفة، أو يحتفظ باستقلاليته الفكرية، قد يصبح هدفًا للإقصاء والتهميش. ليس لأنه ارتكب خطأ، بل لأنه لم يخضع لقواعد الجماعة غير المعلنة.

عندها تبدأ عملية إعادة تفسير كل شيء يصدر عنه بصورة سلبية. فالصراحة تصبح وقاحة، والثقة بالنفس تصبح غرورًا، والهدوء يصبح تكبرًا، والاستقلالية تصبح تمردًا. حتى حسن النية نفسه قد يُفسَّر على أنه خبث أو مصلحة خفية، لأن النفوس غالبًا ترى الآخرين من خلال ما تحمله هي في داخلها.

ويكون الشخص القلق أكثر عرضة للتأثر بهذه الأساليب، لأنه يميل إلى مراجعة نفسه باستمرار والبحث عن أخطائه. فيبدأ بالتساؤل: هل أنا المشكلة فعلًا؟ هل فهمني الناس بشكل صحيح؟ هل أخطأت دون أن أشعر؟ بينما الطرف الآخر لا يراجع نفسه أصلًا، بل يكون منشغلًا بإدارة الصورة وكسب التأييد وصناعة الروايات.

وترجع جذور هذه الأنماط أحيانًا إلى الطفولة والبيئة التي نشأ فيها الإنسان. فالطفل الذي تربى على أن قيمته مرتبطة بإرضاء الآخرين قد يتعلم ارتداء الأقنعة وإخفاء مشاعره الحقيقية. كما أن البيئات التي تكافئ المظاهر أكثر من الجوهر، والانتماء أكثر من الكفاءة، قد تنتج أفرادًا يجيدون صناعة الصورة أكثر من بناء الشخصية.

ولذلك لا يُعرف الإنسان من لطفه في أوقات الراحة، بل من سلوكه في أوقات الخلاف. فالشخص النقي قد يغضب ويخطئ ويختلف، لكنه يواجه مباشرة، ويعتذر إذا أخطأ، ويحفظ كرامة خصومه حتى أثناء النزاع. أما الشخص المؤذي فيبحث عن الأنصار أكثر من بحثه عن الحقيقة، ويهتم بالانتصار الاجتماعي أكثر من اهتمامه بالعدل.

إن الأخلاق الحقيقية لا تظهر عندما تسير الأمور كما نريد، بل عندما تتعارض المصالح، وتشتد المنافسة، ويصبح الإيذاء ممكنًا. هناك فقط تسقط الأقنعة، ويظهر الفرق بين من يحمل القيم كمبدأ يحكم سلوكه، ومن يستخدمها مجرد قناع اجتماعي يخفي خلفه الخوف والغيرة وحب السيطرة. فالمواقف الصعبة لا تصنع معادن الناس إنما تكشفها

اترك تعليقاً