المقالات


أيُّها الأغنياء…

د. بندر الحنيشي

 دكتوراه في الفقه المقارن

 

أيُّها الأغنياء…
رويدكم قليلًا قبل أن تأخذكم زينة الدنيا إلى حيث تظنون أن ما بين أيديكم من أموالٍ وأملاكٍ وأسفارٍ ومظاهرَ هو المقياس الحقيقي للنجاح، وقبل أن تنسوا أن النعم مهما عظمت فهي عاريةٌ مستردة، وأن الأرزاق مهما اتسعت فهي قسمةٌ من الله لا دليلُ فضلٍ مطلق، وأن الإنسان لا يُوزن بما يملك في يده، وإنما بما يحمل في قلبه من رحمة، وفي نفسه من تواضع، وفي سيرته من أثرٍ حسنٍ بين الناس.

إن في هذه الأرض فقراء متعففين لا يعرف الناس من قصصهم إلا ما يظهر على وجوههم من سكينةٍ مصطنعةٍ يخفون خلفها أعوامًا من الكفاح والصبر ومغالبة الحاجة، ولا يدرك أحدٌ كم من أمنيةٍ دفنوها في صدورهم، وكم من رغبةٍ صرفوا أبصارهم عنها، وكم من ليلةٍ ناموا فيها على همٍّ ثقيلٍ لا يعلم تفاصيله إلا الله، ومع ذلك لم يمدّوا أيديهم إلى أحد، ولم يجعلوا فقرهم سلعةً للشكوى، ولم يتخذوا حاجتهم طريقًا لاستعطاف الخلق، بل عاشوا بعزةٍ ربما لو قُسمت على كثيرٍ من الناس لعجزوا عن حملها.

أيُّها الأغنياء…
إن مما يكسر قلوب هؤلاء المتعففين، ويترك في أرواحهم ندوبًا خفيةً لا يراها أحد، ليس مجرد فقرهم، فالفقر قد يعتاده الإنسان إذا رضي بقضاء الله، وإنما الذي يؤلمهم حقًّا أن تتحول النعمة إلى استعراض، وأن يصبح المال لغةً للتفاخر، وأن تتحول المجالس والمنصات والشاشات إلى مواكب متتابعة من المظاهر التي لا تنتهي، وكأن قيمة الإنسان قد اختُزلت فيما يلبس ويركب ويسافر ويقتني.

فلا تتباهوا بأموالكم…
لا تتباهوا بما فتح الله عليكم من أبواب الرزق، ولا تجعلوا أحاديثكم تدور دائمًا حول الأرباح والعقارات والتجارات والمكاسب والمقتنيات، فإن في المجالس قلوبًا صامتةً تسمع ولا تتكلم، وتبتسم ولا تُظهر ما بداخلها، وتُخفي وراء هدوئها أمنياتٍ صغيرةً لم تستطع تحقيقها رغم سنواتٍ طويلةٍ من السعي والعمل، وحين يسمع صاحب الحاجة سيلًا متواصلًا من المفاخرة بما عند الآخرين، فإنه لا يتألم لأن غيره غني، بل يتألم لأن بعض الناس لا يشعرون بما تتركه كلماتهم من أثرٍ في النفوس الضعيفة والمتعبة.

ولا تستعرضوا ما تملكون…
فليس كل ما تملكون يحتاج إلى عرضٍ وإشهار، وليس كل نعمةٍ تستوجب أن تتحول إلى مادةٍ يوميةٍ تُعرض على الناس صباحًا ومساءً، حتى أصبح بعض الناس يوثقون تفاصيل حياتهم المترفة لحظةً بلحظة، وكأن الغاية من النعمة أن يراها الآخرون لا أن يشكروا الله عليها، وكأن قيمة الإنجاز لا تكتمل إلا إذا صاحبتها نظرات الإعجاب والتعليقات والانبهار، مع أن كثيرًا من النعم تزداد جمالًا حين تُستر، وتزداد بركةً حين يُصاحبها التواضع، ويعظم أجرها حين تُقرن بحمد الله لا باستدعاء أنظار الخلق.

ولا تكثروا من الحديث عن الأسفار والرحلات…
فإن بين الناس من يتمنى أن يخرج مع أسرته يومًا واحدًا من ضيق الحياة فلا يستطيع، ومن يؤجل أحلام أطفاله عامًا بعد عام لأن الضروريات قد استنفدت كل ما يملك، ثم يجد نفسه محاصرًا بصور الرحلات الفاخرة، وتفاصيل الفنادق، وقصص الإنفاق، ومشاهد الترف المتكرر التي لا تنتهي، حتى كأن الدنيا كلها رحلاتٌ ومطاراتٌ ومنتجعات، مع أن ملايين البشر يعيشون أعمارهم كلها وهم يلاحقون أبسط متطلبات الحياة، ويعدّون القدرة على تسديد الفواتير إنجازًا يستحق الاحتفال.

ولا تغرقوا الناس في مظاهر الرفاهية…
فإن المبالغة في إظهار السيارات الفارهة، والساعات الباهظة، والولائم المترفة، والهدايا الثمينة، والمقتنيات التي يُراد منها لفت الأنظار أكثر مما يُراد منها الانتفاع، لا تضيف إلى صاحبها قيمةً حقيقية، ولا ترفع منزلته عند الله، ولا تزيده وقارًا في أعين العقلاء، بل قد تجعل كثيرًا من البسطاء يشعرون بأن المجتمع أصبح يقيس الإنسان بما يملك لا بما يكون، وبأن الأخلاق والعلم والمروءة والفضيلة أصبحت أمورًا ثانوية أمام بريق المادة وضجيج المظاهر.

ولا تقارنوا الناس بأموالهم…
فإن من الظلم أن يُحترم الغني لغناه، ويُهمل الفقير لفقره، وأن تُفتح الأبواب لصاحب المال ولو كان قليل المروءة، بينما تُغلق في وجه صاحب الخلق والعلم لأنه لا يملك ما يملكه غيره، فكم من فقيرٍ رفعه الله بالتقوى حتى صار عظيمًا في السماء وإن كان مجهولًا في الأرض، وكم من غنيٍّ أفسده الكبر حتى أصبح فقيرًا إلى رحمة الله وإن امتلأت خزائنه بالذهب والفضة.

ولا تشعروا المحتاج بأنه أقل منكم…
فإن الكلمة التي تُقال بغير اكتراث قد تبقى في قلب صاحبها سنواتٍ طويلة، والنظرة المتعالية قد تجرح نفسًا كاملة، والتصرف الذي يراه صاحبه عابرًا قد يوقظ في قلب الفقير شعورًا موجعًا بالنقص أو الخجل أو الانكسار، مع أن الناس جميعًا أبناء آدم، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وليس أغناهم ولا أكثرهم ظهورًا ولا أوسعهم مالًا.

أيُّها الأغنياء…
إن المال الحقيقي ليس ما تكدس في الحسابات، ولا ما تراكم في العقارات، ولا ما ظهر في الصور والمنشورات، وإنما المال الحقيقي هو ذلك الرصيد الخفي الذي تدخرونه عند الله حين تجبرون خاطرًا، أو تسترون محتاجًا، أو تعينون مكروبًا، أو تحفظون كرامة فقيرٍ متعففٍ آثر الصمت على السؤال، لأن دعوةً صادقةً من قلبٍ مكسور قد تكون أعظم بركةً من ملايينٍ لا يعرف أصحابها طعم الرحمة.

وتذكروا دائمًا أن القبور لا تتسع للأموال، وأن الأكفان لا تحتوي جيوبًا، وأن الإنسان مهما امتد به العمر، واتسعت تجارته، وتعاظمت أملاكه، فسوف يخرج من الدنيا كما دخلها لا يحمل معه إلا عمله وأثره، فطوبى لمن جعل نعمته رحمةً للناس، وجعل غناه سببًا في جبر القلوب لا في كسرها، وفي إدخال السرور لا في صناعة الحسرات، وفي بث الأمل لا في إشعال المقارنات المؤلمة في نفوس البسطاء والمتعففين.

اترك تعليقاً