تأثيرظاهرة داننج- كروجر

بقلم : محمد بن عايض
لماذا نعتقد أن أنفسنا أفضل من الآخرين؟ للأسف، كل واحد منا يحمل في جعبته ثغرات في مجالات من المعرفة، بينما يتألق في مجالات أخرى. تكمن المعضلة في أولئك الذين يظنون أنهم يحيطون بكل شيء علمًا، في حين أنهم غارقون في جهل مركب يتنكر في ثوب المعرفة الكاملة.
هذا النمط من التفكير تم تناوله من قبل باحثين في جامعة كولونيل في عام 1999 تحت مسمى ظاهرة دانينغ – كروجر، وهي ظاهرة نفسية موثقة وتتجلى في مبالغة الأفراد ذوي الكفاءة المحدودة في تأكيد معرفتهم وقدراتهم الضئيلة، دون وعي منهم بمدى جهلهم في العمق الذي يتناولونه. في حين نجد أن الأفراد الأكثر كفاءة ومهارة يميلون إلى التواضع، ويشعرون بالتردد في إظهار قدراتهم الحقيقية.
رسمت هذه الظاهرة على شكل جبل تسمى قمته قمة الغباء وهناك من اعتلى هذه القمة ظنا منه أنه في أعلى قمة المعرفة، ومع تزايد معارفه، انحدر نحو وادٍ عميق من الحكمة، والذي يبدو أنه لا نهاية له، فبمجرد وصوله إلى فضاء الوادي، فقد القدرة على رؤية مدى اتساعه.
لماذا يحصل هذا التأثير بادعاء المعرفة ووهم التميز؟
أولا: قلة الوعي الذاتي بمدى المعرفة الحقيقية؛ حيث يكتفي الفرد بالإلمام ببعض المعلومات السطحية البسيطة، مما يمنحه شعوراً زائفاً بأنه يمتلك فهمًا شاملاً للموضوع. بالإضافة إلى ذلك، هناك غياب لمهارات تتجاوز المعرفة، وهي تلك القدرات والوعي بالعمليات الذهنية، فضلاً عن القدرة على تقييم ونقد الأفكار والمهارات الشخصية بشكل موضوعي.
ثانياً: إن إقامة معرفة قائمة على الحدس السطحي وإصدار أحكام متسرعة بناء على مقاطع سريعة عوضا عن الغوص في قراءة متعمقة وفهم شامل وتحليل دقيق، يؤدي إلى حرمان الفرد من الاستفادة من الإنتاج العلمي والعملي للأشخاص المتمرسين الحقيقيين. كما أنه يحرمهم من الاطلاع على مؤلفاتهم وأبحاثهم، أو من إمكانية مقارنة تجاربهم الشخصية بأدائهم المتميز.
إن الحل لمواجهة تأثير هذه الظاهرة يكمن في السعي الدائم نحو التعلم، وترك ادعاءات المعرفة الزائفة خلفنا. والتوجه بسؤال أهل الاختصاص، والتحلي بالتواضع وأن نقبل أننا قد نجهل أحيانًا.
الخلاصة
يعاني الفرد الذي يقع تحت تأثير ظاهرة دانينج كروجر من وهم التفوق المعرفي وتضخم الذات وجهله بأنه يجهل (لا يدري أنه لا يدري) وفي المقابل يتراجع ذوي الكفاءة العالية عن إثبات قدرته المعرفية الحقيقية؛ ومن ثم قد يحرم الأول بجهله فرصة التعلم واكتساب المهارات والمعرفة الحقيقية، ويحرم الثاني بتردده من حق التقدم والترقي والصعود نحو المكانة التي تليق بعلمه