المقالات


المسافة السيادية

بقلم / سلافة سمباوه

 

حين تتوقف عن تسليم الآخرين مفاتيحك الداخلية

مع التقدم في العمر، لا يتغير فقط ما نعرفه عن الناس، بل تتغير أيضا المسافة التي نسمح لهم بالوقوف فيها داخل أرواحنا.

كنت أظن في سنوات سابقة أن الإنسان يحتاج إلى أن يُفهم من الجميع، وأن يكسب رضا الجميع، وأن يشرح نفسه كلما أسيء فهمه. لكن الحياة علمتني شيئا مختلفا تماما. علمتني أن كثيرا من التعب لا يأتي من الأحداث نفسها، بل من محاولاتنا المستمرة لإقناع الآخرين بحقيقتنا.

ومع الوقت، أدركت أن بعض الناس لا يقفون في طريقك لأنهم أشرار، بل لأن لكل إنسان رؤيته الخاصة وحدوده ومخاوفه وأحكامه المسبقة. وحين تحاول أن تعبر نحو حلم جديد أو فكرة مختلفة أو نسخة أكثر نضجا من نفسك، ستجد دائما من يراك بعين الأمس، أو يقيسك بمعاييره الخاصة، أو يطالبك بأن تبقى كما اعتاد عليك.

لذلك لم أعد أرى أن الحكمة تكمن في الانشغال بالناس، بل في الانشغال بالطريق.

ليس لأن الآخرين بلا قيمة، ولا لأن الإنسان يستطيع أن يعيش منفصلا عن العالم، بل لأن الإفراط في الالتفات إليهم يجعلنا نفقد الاتجاه. فما أكثر الأحلام التي تعطلت بسبب الخوف من كلام الناس، وما أكثر المواهب التي انطفأت لأنها انتظرت التصفيق قبل أن تبدأ.

ومع ذلك، فإن النضج الحقيقي لا يعني أن نغلق أبوابنا في وجه الجميع، ولا أن نعيش في عزلة متعالية. فبعض الأشخاص كانوا مرايا صادقة رأينا فيها أنفسنا بوضوح، وبعض المواقف التي ظنناها عوائق كانت دروسا صنعت وعينا وقوتنا.

لهذا لم أعد أؤمن بفكرة أن الناس جميعا عقبة، ولا أؤمن أيضا بأن رضاهم غاية. ما أؤمن به اليوم هو شيء أبسط وأعمق: أن أعرف نفسي جيدا بما يكفي كي لا تهزني أحكامهم، وأن أبقى منفتحة على التعلم منهم دون أن أسمح لهم بقيادة حياتي.

فالحرية الحقيقية ليست أن تلغي وجود الآخرين، بل أن تتوقف عن تسليمهم مفاتيحك الداخلية.

وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح أكثر هدوءا. يسمع الأصوات كلها، لكنه لا يتبع إلا صوته. يمر بين الناس بمحبة واحترام، لكنه لا يحمل على كتفيه توقعاتهم ولا مخاوفهم ولا تصوراتهم عنه.

وهنا فقط يكتشف أن أكبر انتصار في الحياة ليس أن يقنع العالم بمن يكون، بل أن يعرف هو نفسه من يكون، ثم يمضي في طريقه مطمئنا.

هذه هي المسافة السيادية؛ ليست جدارا يفصلنا عن الناس، بل وعيا يحفظ لنا أنفسنا ونحن نعبر بينهم.

اترك تعليقاً