كذب… نسي أنه كذبة
بقلم/ سلافة سمباوة
أخطر كذبة في حياة الإنسان ليست تلك التي يسمعها الناس، وإنما تلك التي يرددها كل صباح بينه وبين نفسه. كذبة لا يراها أحد، ولا يصفق لها أحد، ولا يكذبها أحد. تبدأ صغيرة حتى تتحول إلى عقيدة داخلية، ثم يقضي عمره كله يحرسها وكأنها آخر ما يملك. عندها يصبح الكذب أسلوب حياة، وتصبح الحقيقة عدوا يهدد الصورة التي صنعها عن نفسه.
منذ تلك اللحظة يبدأ الانهيار الحقيقي. يمشي على قدميه، ويتحدث بثقة، ويبتسم في الصور، بينما تتساقط أجزاؤه الداخلية بصمت. يظن أن الناس انخدعوا به، والحقيقة أن أول ضحية في هذه المسرحية كان هو.
الكذب لا يولد من القوة. يولد من الخوف. طفل ارتجف يوما من العقاب، أو شعر أن الحقيقة تحرمه من الحب والقبول، فتعلم أن النجاة تمر عبر الأقنعة. كبر الطفل، وكبرت معه الأكاذيب، وتبدلت الوجوه، وبقي الخوف يدير حياته من وراء الستار.
يحسب نفسه ذكيا لأنه يراوغ، ويخفي، ويغير الروايات بحسب الموقف. الذكاء الحقيقي لا يحتاج إلى هذا الكم من الحيل. العقل العميق لا يخشى الحقيقة. الضحالة وحدها تحتاج إلى ديكور كثيف حتى تبدو أكبر من حجمها.
يمتلئ هاتفه بالأسماء، وتزدحم حوله الوجوه، ويخرج كل ليلة بين الناس، ثم يعود إلى سريره فارغا كما كان. الفراغ لا تصنعه الوحدة. يصنعه الابتعاد الطويل عن الذات. لذلك يخاف الصمت، لأن الصمت يحمل الأسئلة التي أمضى سنوات يهرب منها.
يعشق، ثم يتراجع. يشتاق، ثم يختبئ. يراقب من بعيد، وينتظر أن يقوم الطرف الآخر بكل شيء. يخشى المبادرة لأنها قد تكشف ضعفه، ويغلف خوفه بالكبرياء حتى يبدو متماسكا. كثير من قصص الحب لم تنته بسبب غياب المشاعر، وإنما بسبب حضور الخوف.
يطارد الأهمية كما يطارد العطشان السراب. يجمع الألقاب، ويعد المعارف، ويقيس قيمته بعدد المصفقين. الداخل الخاوي لا يملؤه التصفيق، لأن القيمة شعور يولد من الداخل، ولا تمنحه الجماهير لأحد.
الشخص العصي الذي يبدو صلبا أكثر من الجميع، يحمل غالبا خوفا أقدم من الجميع. القوة لا تحتاج إلى استعراض. الإنسان المطمئن لا يبالغ في بناء الأسوار. وحده الخائف يحول نفسه إلى قلعة، ثم يشتكي أن أحدا لم يصل إليه.
ويبقى هناك إنسان آخر يرفض النفاق، ويدفع ثمن وضوحه، ويخسر مكاسب كثيرة لأنه رفض أن يبيع ضميره. قد يبدو خاسرا في أعين البعض، لكنه يحتفظ بأغلى ما يمكن أن يحتفظ به الإنسان. احترامه لنفسه.
الطفولة لا تغادرنا حين نكبر. الصدمات لا تنتهي بانتهاء الموقف. تهبط إلى أعماق النفس، وتعيد تشكيل الأفكار، ثم تتحول إلى شخصية كاملة يظن صاحبها أنها اختياره، بينما هي في كثير من الأحيان استجابة قديمة لألم لم يلتئم.
السؤال الذي يطارد الإنسان حتى آخر عمره ليس كم شخصا استطعت خداعه.
السؤال الحقيقي
كم مرة خدعت نفسك حتى نسيت من تكون.؟