وهم الكلمة التي تُغيّر العالم
بقلم/سلافة سمباوة
يعيش كثير ممن يكتبون، سواء منشورًا قصيرًا أو مقالًا أو حتى تغريدة، وهمًا نفسيًا مريحًا لكنه مضلل، وهو أن ما يكتبونه سيصل إلى الناس، وسيهزّ وعيهم، وسيدفعهم إلى التغيير الفعلي في حياتهم. هذا الشعور ليس غرورًا بالضرورة، بل هو حاجة إنسانية عميقة إلى الشعور بالمعنى والأثر، حاجة نفسية إلى أن يكون صوت الإنسان الصغير مسموعًا في عالم صاخب لا يتوقف عن الإنتاج والضجيج.
في عصرنا الحالي، تضاعف هذا الوهم بفعل بيئة التواصل الرقمي، حيث يمنح الإعجاب أو المشاركة إحساسًا فوريًا بالتأثير، رغم أن غالبية من يتفاعلون مع منشور ما هم أشخاص يشبهوننا في الفكر أصلًا، أو معارف مقربون يتفاعلون من باب المجاملة لا الاقتناع. هذه البيئة الرقمية المغلقة، أو ما يُعرف بغرفة الصدى، تجعل الكاتب يظن أن دائرته الصغيرة تمثل العالم كله، بينما هي في الحقيقة انعكاس لصورته هو، يعود إليه صداها فيخاله صوت الجماهير.
نفسيًا، هذا الوهم مرتبط أيضًا بالرغبة في الهروب من شعور العجز. حين يصعب على الإنسان تغيير واقعه المباشر، يجد في الكتابة متنفسًا يمنحه إحساسًا بالفعل دون أن يتحمل عبء الفعل الحقيقي. الكلمة، هنا، تصبح بديلًا نفسيًا عن الحركة، ووسيلة لتهدئة قلق داخلي أعمق، قلق أن يمر الإنسان في هذا العالم دون أن يترك أثرًا يُذكر.
وتلعب البيئة المحيطة بالكاتب دورًا في تضخيم هذا الوهم أيضًا، فحين يحيط به من يمدحون كل ما يكتب دون نقد حقيقي، يترسخ لديه شعور زائف بأن كلماته أحدثت أثرًا واسعًا، بينما التغيير الفعلي في المجتمعات نادرًا ما يحدث بفعل نص منفرد، بل يحتاج إلى تراكم، وإلى مؤسسات وأدوات تُترجم الفكرة إلى واقع ملموس، سواء كانت هذه الأدوات مبادرة، أو منظمة، أو حراكًا منظمًا يتبنى الفكرة ويعمل على تجذيرها. ويمكن القول إن كل زمن يفرز نوعه الخاص من هذا الوهم، ففي حقب سابقة كان الانتماء إلى تيار فكري أو أدبي معين يمنح الكاتب شعورًا بأنه جزء من مشروع أكبر لتغيير المجتمع، حتى وإن كانت كتاباته متواضعة الأثر فعليًا، أما اليوم فقد تغيّرت الأدوات لكن الحاجة النفسية بقيت كما هي، حاجة الإنسان إلى الشعور بأن وجوده له قيمة تتجاوز حدوده الشخصية.
الوعي بهذا الوهم لا يعني التوقف عن الكتابة، ولا التقليل من قيمتها، بل يعني إعادة تموضع الكاتب داخل صورة أكثر واقعية لدوره. فالكلمة قادرة على أن تكون بداية حقيقية للتغيير، حين تقترن بفهم أنها ليست كافية وحدها، وأن الأثر الحقيقي يحتاج إلى صبر، وإلى أدوات عملية، وإلى وعي بأن التغيير الجماعي عملية بطيئة تراكمية، لا لحظة إلهام تنتهي بمجرد الضغط على زر النشر.