المقالات


حبك المثمر

بقلم الكاتبة / سلافة سمباوة

من قال إن الحب لا بد أن يُؤلم ليكون حقيقيًا؟ من زرع فينا هذا الوهم القديم، أن العلاقة الصادقة تمر بنارٍ من الشك والقطيعة والدموع لتُثبت صدقها؟ ورثنا هذا الفهم المشوّه جيلًا بعد جيل، حتى صار الألم عندنا دليل حب، والهدوء دليل برود، والاستقرار دليل ملل. هذا أحد أخطر الأوهام التي عطّلت نضجنا العاطفي، وجعلتنا نبحث عن الحب في أماكن لا تُنبت إلا الجراح.

وثمة حب آخر، لا يُشبه هذا الضجيج بشيء. حبٌ لا تقدر أن تصفه، لكنك تعيشه. لا يحتاج أن يُعلَن عنه، لأنه يعلن عن نفسه وحده، في وقته الصحيح، دون استعجال ودون خوف. هذا الحب لا يطلب منك أن تتغير، لكنه يُغيّرك من الداخل دون أن تشعر، كما يُغيّر النور غرفة كانت مظلمة، دون أن يُطالب الجدران بشيء. إنه حب يخلّيك تكتفي، فلا تبحث بعده عن شيء آخر يُكمّلك، ويخلّيك أجمل، وأهدى، وأكثر سلامًا مع ذاتك قبل أن يكون مع غيرك.

الإنسان القوي نفسيًا لا يحتاج أن يُجاهر بمعاصيه ولا بعلاقاته ولا بمغامراته أمام الناس. من امتلك سلامه الداخلي يحمي ما يخصه، لأنه يعرف أن الأشياء الثمينة لا تُعرض في الأسواق. يقول العقاد إن العظماء يزنون كلماتهم قبل أن ينطقوها، وهذا ما ينطبق على مشاعر الإنسان الناضج، فهو يزن قراراته العاطفية بعقلٍ هادئ، ولسانٍ لا يبحث عن شهود.

الشخص المتعافي، حين يدخل علاقة جديدة أو ينوي الارتباط، يفعل ذلك بوعيٍ يعرف تمامًا ما يريد وما لا يريد، بعيدًا عن أي جوعٍ عاطفي يبحث عمّن يملأ الفراغ. يدرك أن الحب الحقيقي يُبنى ببطء، كشجرة تحتاج جذورًا قبل أن تحتاج أغصانًا. وهنا يكمن سرّ العلاقات الصحية: توازن بين طرفين، وحدود واضحة يرتضيها الاثنان دون أن يشعر أحدهما أنه يتنازل عن ذاته ليُرضي الآخر.

جذور هذا الفهم المشوّه للحب تعود، غالبًا، إلى الطفولة. الطفل الذي نشأ في بيتٍ يُعبَّر فيه عن الحب بالصراخ أكثر من الحوار، يكبر وهو يظن أن هذا هو شكل الحب الوحيد، فيبحث لاحقًا، دون وعي، عن علاقات تُعيد إنتاج ذلك النمط، ولو كان مؤلمًا. الشفاء الحقيقي يبدأ من إدراك هذا النمط ومواجهته.

اجتماعيًا، ساهمت الدراما والأغاني في ترسيخ الخلط بين الألم والحب، حتى أصبحت القطيعة والغيرة رموزًا رومانسية عوضًا عن أن تكون إشارات خطر. والحقيقة أن الهدوء أرقى صور النضج العاطفي، لا غيابًا للمشاعر.

كيف نعرف أننا في حب ناضج؟ حين لا يُطالبك بأن تتغير لتستحقه، وحين لا تخشى أن تكون نفسك أمامه، وحين لا يُصيبك غيابه بالهلع، وحين لا تحتاج أن “تُقاوم” لتبقى.

أما قرار الزواج، فيأتي من قناعة هادئة تشبه اليقين، لا من فراغ أو خوف من الوحدة. يقول أنيس منصور إن أخطر ما في الإنسان أن يعرف كل شيء إلا نفسه؛ فمن لا يعرف ما يريد، لن يميز من يستحق. وحين تلتقي بمن يمنحك الهدوء والثبات، فتلك إشارة تستحق أن يُبنى عليها قرار بحجم الزواج.

اترك تعليقاً