تعب الأقوياء
بقلم/سلافة سمباوة
من الظلم أن يعاقب الإنسان على قوته بحرمانه من الحنان. أن يعتاد الناس نهوضه بعد كل عثرة، فينسوا أن السقوط يؤلمه، وأن يروا قدرته على حمل الأعباء، فيزيدوا حمله كلما أثقلتهم الحياة. كأن الصبر عهد قطعه على نفسه أن يتعب وحده، وكأن الذي يحسن تضميد الجراح قد ولد بجلد لا يجرح.
وفي البيوت طفل يكبر قبل أوانه. يصغي إلى هموم الكبار، ويهدئ خلافاتهم، ويؤجل طلبه الصغير حتى تتحسن أحوالهم. يفرح حين يسمع أنه عاقل، ثم يكتشف بعد سنوات أن هذه الكلمة كانت أحياناً تكليفاً يفوق عمره. فقد تعلم كيف يكون نافعاً، وبقيت حاجته إلى من يطمئنه تنتظر دورها.
وقد تنشأ هذه العادة في بيت محب أرهقته الظروف، أو في بيئة تضيق بالتعبير عن الضعف. فيتعلم الصغير أن يخفي خوفه كي يريح أمه، وأن يبتلع حزنه كي يحفظ هدوء البيت. ومع التكرار، يصبح الانتباه إلى الآخرين أسرع من انتباهه إلى نفسه، ويصعب عليه أن يعرف ما يحتاجه فعلاً.
ثم يكبر، ويأخذ معه هذا الدور إلى صداقاته وعمله وحبه. يبادر بالسؤال، ويحتوي الغضب، ويلتمس الأعذار، ويؤدي ما تعثر فيه غيره. وقد يجد في العطاء معنى جميلاً لحياته، غير أنه يتعب حين تصبح قيمته في نظره معلقة بما يقدمه، وحين يشعر بالذنب كلما اختار راحته.
ويشارك الناس في تثبيت هذا الدور بحسن نية أحياناً. يقولون إنه يعرف كيف يتصرف، وإنه أقدر على الاحتمال، ثم يتركونه في الموضع الذي اعتادوه فيه. وربما سألوا عنه عند حاجتهم، وغاب عنهم أن يسألوا عن حاله. هكذا تتسع المسافة بين كثرة المحيطين به وقلة الذين يستطيع الاتكاء عليهم.
وفي الحب يظهر التعب على صورة أخرى. قد ينجذب إلى من يحتاج إنقاذاً، لأن الرعاية لغة يعرفها جيداً، ولأن وجود مشكلة يحلها يمنحه مكاناً واضحاً. أما العلاقة التي يتلقى فيها اهتماماً هادئاً، فقد تبدو غريبة عليه في البداية. يحتاج وقتاً ليطمئن إلى أنه محبوب حتى حين يجلس بلا مهمة.
وقد تتراكم هذه الأعباء في صورة ضيق أو فتور أو غضب يفاجئ صاحبه. يستغرب كيف أثار طلب بسيط كل هذا الانزعاج، ويغفل عن الطلبات الكثيرة التي سبقته، وعن الموافقات التي خرجت من فمه وقلبه متعب. وحين يهمل إشاراته طويلاً، قد يبتعد فجأة عن أشخاص كان يتمنى فقط أن يرفقوا به.
وتبدأ الراحة حين يمنح نفسه حق الوصف الصادق. أنا متعب، وهذا فوق طاقتي، وأحتاج أن يسمعني أحد. كلمات يسيرة، لكنها قد تتطلب شجاعة ممن اعتاد أن يكون موضع الاعتماد. ويعينه أن يبدأ مع شخص مأمون، وأن يطلب شيئاً محدداً، وأن يسمح للآخر بأن يشاركه بعض الحمل.
ويحتاج أيضاً إلى مراجعة ما يعده واجباً عليه. فالمودة تتسع للاعتذار، والصداقة تحتمل اختلاف القدرة، والأسرة تستفيد حين تتوزع المسؤوليات. ويمكنه أن يتعلم وضع حدود واضحة، وأن يفهم جذور خوفه من إغضاب الآخرين. وقد تساعده المساندة المتخصصة حين يعجز عن تغيير نمط يستنزفه باستمرار.
أما من يحب شخصاً اعتاد القوة، فليقترب منه دون انتظار انهياره. ليسأله سؤالاً يتسع للإجابة، وليعرض عوناً يمكن تقديمه، وليصبر على تردده في القبول. بعض القلوب تحتاج دليلاً متكرراً على أن حاجتها مرحب بها.
ما أحن الحياة حين يجد فيها القوي مكاناً يضع عنده قوته قليلاً، ويجلس بإنسانيته كاملة. يستريح، ويتردد، ويطلب، ويطمئن إلى أن مكانته باقية، وأن المحبة تعرفه حتى حين تخلو يداه من العطاء.