من أين جاءت “خرافة الخمسين” تحديداً؟

ترك العمل في سن الخمسين فكرة اقتصادية أو ضرورة إنسانية ؟

 

العلم | هل فكرت في شكل حياتك بعد التقاعد؟.. لا تترك الأمر للظروف وخطط لتقاعد صحي وسليم بهذه الطرق البسيطة.

لاتيه – التحرير


فكرة “التقاعد” أو توقف الإنسان عن العمل هي مفهوم جديد نسبيًا في تاريخ البشرية، حيث ظهرت نتيجة الثورة الصناعية والتغيرات الكبيرة في الأنظمة الاقتصادية. فمنذ آلاف السنين، كان البشر يعملون بجد في الصيد والزراعة والصناعة والتجارة، حتى تأتي لحظة تتراجع فيها قدراتهم الجسدية أو يتوفون. تحديد عمر معين للتوقف عن العمل وتخصيص تلك الفترة للراحة أو الترفيه (مثل الخمسين أو الستين) جاء نتيجة تطورات تاريخية وسياسية واقتصادية متعددة تشابكت مع بعضها في حياة البشر.

الإمبراطورية الرومانية "غير البيضاء".. هل كانت روما مدينة شرق أوسطية؟ | ثقافة | الجزيرة نت

1. الإرث العسكري الروماني (التقاعد بعد مدة خدمة)

أول نظام “تقاعد ومكافأة نهاية خدمة” موثق في التاريخ يعود إلى الإمبراطورية الرومانية عام 13 قبل الميلاد على يد الإمبراطور أغسطس. كان النظام مخصصاً للجنود الذين يخدمون 20 عاماً في الجيش. ونظراً لأن الشاب كان يلتحق بالجيش في سن العشرين، فإنه ينهي خدمته في سن الأربعين أو الخمسين ليحصل على أرض زراعية أو مبلغ مالي. كانت الفكرة سياسية بحتة: ضمان بقاء ولاء الجنود القدامى بعد إضافة دماء شابة جديدة .

2. الثورة الصناعية وتأسيس سن الـ 65 (ألمانيا عام 1889)

مع انتقال البشر من المزارع العائلية إلى المصانع في القرن التاسع عشر، أصبح العمال مجرد تروس في آلات ضخمة. في حينها وجد أصحاب المصانع أن كبار السن لا يستطيعون مجاراة الآلات الحديثة والمجهدة؛ فظهرت الحاجة لإخراجهم من سوق العمل لإفساح المجال للشباب الأكثر حيوية.

في عام 1889، ابتكر المستشار الألماني “أوتو فون بسمارك” أول نظام تقاعد حكومي شامل في العالم، وحدد السن عند 70 عاماً (خُفضت لاحقاً إلى 65 عاماً). حذت بريطانيا وأمريكا حذو ألمانيا في العقود التالية واعتمدتا سن الـ 65 كمعيار عالمي للتقاعد. 

للذين أحبوا العمل أكثر من الراحة.. هكذا تتأقلم مع الحياة بعد التقاعد | أسلوب حياة | الجزيرة نت

من أين جاءت “خرافة الاسترخاء في سن الخمسين” تحديداً؟

رغم أن السن القانوني العالمي للتقاعد يتراوح بين 60 و65 عاماً، إلا أن فكرة “التوقف عند الخمسين” نشأت من عدة روافد معاصرة: 

– أنظمة التقاعد المبكر للوظائف الشاقة والعسكرية: تمنح معظم دول العالم (بما فيها الأنظمة العسكرية، والأمنية، وبعض المهن الخطرة أو الشاقة) الحق في التقاعد المبكر بعد قضاء 20 إلى 25 سنة في الخدمة. مَن يبدأ عمله في سن العشرين، يحق له نظاماً التقاعد عند سن الـ 45 أو الـ 50 ليحصل على معاش تقاعدي جزئي.

– طفرة “الاستقلال المالي والتقاعد المبكر” : في العقود الأخيرة، انتشرت بين جيل الشباب عالمياً  فكرة تقوم  على العيش باقتصاد شديد والادخار والاستثمار العنيف في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، بهدف تجميع ثروة تكفي للعيش من عوائدها والتوقف عن العمل الإجباري تماماً عند سن الـ 45 أو الـ 50 والتفرغ لمتع الحياة.

– ثقافة الإعلانات والتسويق لـ “العصر الذهبي”: ساهمت شركات السياحة، والتأمين، وصناديق الاستثمار في منتصف القرن العشرين في رسم صورة نمطية مضللة عبر إعلاناتها تظهر أشخاصاً في سن الخمسين أو الستين على الشواطئ يمارسون الجولف والاسترخاء التام، لإقناع الناس بشراء بوالص التأمين والخطط التقاعدية.

لماذا تخشى شركات الطيران "الباور بنك" أكثر من أي جهاز آخر؟

في العصر الحديث.

فكرة التوقف الكامل عن العمل في سن الخمسين أو الستين لم تعد مجرد “تكريم” للإنسان بعد رحلة عطاء، بل تحولت في كثير من الأبعاد إلى آلية اقتصادية مدروسة تخدم أسواقاً معينة وتلبي احتياجات رأسمالية متجددة.
هناك شقان أساسيان يدعمان وجهة النظر التي ترى  بأنها “فخ اقتصادي”:

1. التخلص من كبار السن (إحلال العمالة الأقل تكلفة)

تتعامل الأسواق الرأسمالية والشركات الكبرى مع العنصر البشري بلغة الأرقام والإنتاجية الكلفة والربح. في هذا السياق، يصبح الموظف الذي قضى 25 أو 30 عاماً في العمل (أي في سن الخمسين أو ما فوق):

مرتفع التكلفة: بسبب العلاوات، الترقيات، الامتيازات، والرواتب العالية التي تراكمت عبر السنين.عبئاً  و تأمينياً: تزداد كلفة التأمين الصحي والرعاية الطبية له مع تقدم العمر.

لذلك، فإن دمج فكرة “التقاعد المبكر” أو “التوقف للراحة” في الثقافة العامة يسهل على المنظومة الاقتصادية دفع هؤلاء الخبراء إلى الخارج، واستبدالهم بشباب في العشرينيات من عمرهم بيولوجياًو يتقاضون أجوراً أقل بكثير، و يمتلكون طاقة للعمل لساعات أطول، ولديهم مرونة أعلى في التكيف مع التكنولوجيا السريعة دون المطالبة بامتيازات كبرى.

2. تحويل المتقاعد إلى “مستهلك مستهدف”

بمجرد خروج الإنسان من دائرة الإنتاج في سن الخمسين أو الستين وهو يمتلك مدخرات أو مكافأة نهاية خدمة، يتحول تلقائياً من “عنصر منتج” إلى “هدف استهلاكي شره” لقطاعات ضخمة تُعرف اليوم باقتصاد كبار السن (Silver Economy).

وهنا يأتي دور الماكينة الإعلامية والتسويقية لشركات السياحة، الفنادق، المنتجعات، والخدمات الترفيهية، والتي عملت طوال عقود .

3- صناعة “الوهم التسويقي”

يتم تصوير السعادة المطلقة في السفر الدائم، الجلوس على الشواطئ، والعيش في المنتجعات الهادئةو استنزاف المدخرات و دفع المتقاعد لإنفاق مكافأة العمر في رحلات سياحية منظمة، برامج استجمام، وبوالص تأمين ترفيهية، وهي قطاعات تدر مليارات الدولارات سنوياً وتتغذى بشكل أساسي على أموال المتقاعدين في الدول المتقدمة.

هل الشعور بالدوخة علامة إنذار خطيرة؟

 فراغ نفسي واقتصادي

هذا الفخ يسلب الإنسان “الحكمة والخبرة المتراكمة” التي وصل إليها في سن الخمسين — وهو السن الذي يمثل ذروة النضج العقلي والقيادي — ليضعه في حالة “استهلاك مستمر” للمتعة الزائفة. بعد سنوات قليلة من السفر والترفيه، يجد الكثيرون أنفسهم في مواجهة فراغ نفسي حاد (لأن المتعة بلا إنجاز تفقد بريقها)، فضلاً عن استنزاف أصولهم المالية التي كان يمكن استثمارها في مشاريع إنتاجية خاصة ونافعة وهدر للخبرة المتراكمة عبر السنين .

الخلاصة

فكرة التوقف عن العمل في سن الخمسين فكرة لها أبعادها الاقتصادية و القول المتداول “لا تعمل فوق سن الخمسين، وتفرغ للمتعة” يفتقر إلى الدقة من منظور علمي ونفسي، إذ إن الانسحاب الكامل من مجالات العمل والنشاط في هذه المرحلة يؤثر في الصحة النفسية والجسدية. وقد يؤدي التفرغ  الكامل للمتعة إلى انقطاعٍ عن النشاط العقلي وتراجعٍ في الزخم الذهني، مما يُفضي إلى حالة من الركود الإدراكي. كما تتأثر الحالة المزاجية بزيادة مستويات القلق والاكتئاب والوساوس نتيجة الفراغ المفاجئ الذي يطرأ على الحياة، مما يُثقل كاهل الروح.  بالنسبة لمفهوم المتعة، فقد تُصبح الأنشطة الترفيهية ذات طابعٍ ممل وروتينٍ قاتل مع مرور الزمن، فتفقد بريقها وتتحول إلى عبءٍ ثقيل على الروح.

 المتعة ليست مرهونة بالتوقف عن العمل، بل إن الانشغال  في عمل ذي معنى يعد من بين المصادر الأكثر أهمية لإضفاء السعادة والرضا على الحياة في مراحلها المتقدمة.

الحل الأمثل هو أن يتجه الإنسان خلال مراحل حياته إلى أنشطة تتماشى مع قوته البدنية وقدرته على التحمل، مبتعداً عن الأعمال التي تفرض ضغوطاً شديدة مع تقدم السن، إذا كان غير قادر على مواجهتها أو تحمل مشاقها . متجها نحو مجالات تتلاءم مع مهاراته واهتماماته وآماله وطموحاته وهوياته  المؤجلة،  ليستشعر لذة الإنجاز. إن الانسحاب الكامل من العمل والأنشطة في هذا العمر قد يترك آثارًا سلبية غير متوقعة على الصحة النفسية والجسدية. كما أن المتعة لا تتطلب التوقف عن العمل، بل إن العمل الهادف  يعد من أبرز منابع المتعة والرضا عن الحياة في مراحل العمر المتقدمة.

1-Ageing and pensions coverage in Arab countries – Economic Research Forum

2- The Stroke of Genius Strikes Later in Modern Life

3-www.aljazeera.net/mida/2021

اترك تعليقاً